في وقت تتزايد فيه أهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى حركة التجارة العالمية، وسط اضطرابات متقطعة في الملاحة عبر مضيق هرمز منذ شباط/فبراير 2026، تسرّع السعودية استثماراتها في موانئها على الساحل الغربي، في مسعى لتحويلها من محطات لعبور البضائع إلى مراكز اقتصادية متكاملة تدير حركة التجارة وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
ووقّعت الهيئة العامة للموانئ السعودية “موانئ” سبعة عقود جديدة مع شركات وطنية وعالمية لإنشاء مراكز لوجستية في ميناء جدة الإسلامي ومنطقة الخُمرة وتوسعتها، باستثمارات تناهز مليار ريال (266.6 مليون دولار). وترفع هذه العقود عدد المراكز اللوجستية في الموانئ السعودية إلى 34 مركزاً، منها 17 مركزاً في جدة الإسلامي وحده، بإجمالي استثمارات يتجاوز 14 مليار ريال (3.73 مليارات دولار) منذ بدء البرنامج قبل نحو خمس سنوات.
ولا تبدو هذه العقود حدثاً منفصلاً، بل تأتي امتداداً لمسار بدأ قبل سنوات، ضخت خلاله المملكة مليارات الريالات في تطوير الأرصفة، وإنشاء المناطق اللوجستية، واستقطاب شركات تشغيل عالمية، وربط الموانئ بمراكز التخزين والتوزيع، في إطار رؤيةٍ تستهدف ترسيخ مكانة المملكة مركزاً عالمياً للخدمات اللوجستية والتجارة البحرية.
وقال وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر، وفق وكالة الأنباء السعودية “واس”، إن إطلاق هذه المراكز وتوسعتها يعكس الدعم الذي يحظى به قطاع النقل، مؤكداً أن تطوير ميناء جدة الإسلامي ومنطقة الخُمرة يساهم في تحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية ورؤية المملكة 2030، التي وضعت القطاع في قلب التحول الاقتصادي، وتهدف إلى رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتعزيز دور المملكة في الاقتصاد العالمي.
وأضاف أن العقود الجديدة تساهم في تمكين القطاع الخاص، وتوفير بنية تحتية متقدمة تدعم نمو الأنشطة التجارية واللوجستية، بما يعزز مكانة المملكة مركزاً عالمياً للتجارة عبر البحر الأحمر، ويرسخ دور الموانئ السعودية في خدمة التجارة الإقليمية والدولية.
من جانبه، قال رئيس الهيئة العامة للموانئ سليمان المزروع إن إنشاء هذه المراكز وتوسعتها يمثلان خطوة استراتيجية ضمن برنامج “موانئ” لتطوير منظومة الموانئ، وتعزيز جاهزيتها التشغيلية لمواكبة النمو المتسارع في التجارة العالمية، مشيراً إلى أنها تساهم في رفع كفاءة الخدمات، وزيادة الطاقة الاستيعابية، ودعم توطين الصناعات والخدمات اللوجستية، إضافة إلى توفير منظومة تشغيل أكثر موثوقية، وتنويع الأنشطة التجارية داخل المملكة وخارجها.
من الأرصفة إلى سلاسل الإمداد
وتكشف المشروعات التي تنفذها “موانئ” خلال الأعوام الأخيرة عن تحولٍ في فلسفة تطوير الموانئ السعودية. فبعد أن كان التركيز ينصب على إنشاء الأرصفة وزيادة قدرة المناولة، اتجهت الاستثمارات بصورة متزايدة إلى بناء منظومة لوجستية متكاملة تبدأ من لحظة وصول السفينة إلى الميناء، ثم تمتد إلى التخزين، والتجميع، والتوزيع، وإعادة التصدير، وصولاً إلى خدمات القيمة المضافة التي تحتاجها الشركات العالمية العاملة في سلاسل الإمداد.
جدة في قلب الاستراتيجية
ويحظى ميناء جدة الإسلامي بالنصيب الأكبر من هذه الاستثمارات، إذ تحول خلال السنوات الأخيرة إلى محور رئيسي في خطط “موانئ” لتطوير البنية اللوجستية للمملكة. ومع العقود الجديدة، أصبح الميناء يضم 17 مركزاً لوجستياً، أي ما يقارب نصف المراكز اللوجستية الموجودة في جميع الموانئ السعودية، وهو ما يعكس المكانة التي يحتلها ضمن استراتيجية تطوير القطاع.
كما تشمل الاستثمارات منطقة الخُمرة، التي أصبحت امتداداً لوجستياً للميناء، مستفيدةً من ارتباطها بشبكة طرقٍ عالية الكفاءة تصل ميناء جدة الإسلامي بمطار الملك عبدالعزيز الدولي، إضافة إلى قربها من مشروع الجسر البري والطرق الرئيسة المؤدية إلى مختلف مدن المملكة. وتساهم هذه الروابط في تحويل المنطقة إلى نقطة ارتكاز لحركة النقل والتخزين والتوزيع، فضلاً عن دعم عمليات الاستيراد والتصدير وإعادة التصدير، بما يعزز تكامل الخدمات اللوجستية على الساحل الغربي.
وضمن العقود الجديدة، شملت الاستثمارات أيضاً توسعة المركز اللوجستي لشركة “ميرسك” في ميناء جدة الإسلامي، عبر إنشاء ساحات حاويات ومرافق مستقبلية على مساحة تقارب 60 ألف متر مربع، باستثمارات تبلغ 40 مليون ريال (10.7 ملايين دولار)، بهدف زيادة الطاقة التشغيلية للمركز وتوفير حلول أكثر كفاءة للمستوردين والمصدرين.
محطة الحاويات الجنوبية… ركيزة التوسع
بالتوازي مع إنشاء المناطق اللوجستية، شهدت محطة الحاويات الجنوبية عملية تطوير شاملة. ففي آذار/مارس 2025، دشنت “دي بي ورلد” المحطة بعد توسعة بلغت قيمتها ثلاثة مليارات ريال (800 مليون دولار)، لترتفع طاقتها الاستيعابية من 1.8 مليون حاوية قياسية إلى أربعة ملايين حاوية، مع إمكان زيادتها إلى خمسة ملايين حاوية مستقبلاً.
ولم يقتصر التطوير على زيادة الطاقة التشغيلية، بل شمل تحديث البنية التحتية للمحطة وربطها بالمناطق اللوجستية المحيطة، بما يتيح انتقال البضائع بين الأرصفة ومرافق التخزين والتوزيع ضمن منظومة تشغيل متكاملة.
وفي شباط/فبراير 2026، أعلنت “دي بي ورلد” و”إيه بي إم تيرمينالز”، التابعة لمجموعة “إيه بي مولر – ميرسك”، شراكة استراتيجية في المحطة، تستحوذ بموجبها “إيه بي إم تيرمينالز” على 37.5%، فيما تحتفظ “دي بي ورلد” بنسبة 62.5%. وقالت الشركتان إن الشراكة تستهدف تعزيز دور ميناء جدة الإسلامي بوابةً رئيسة للمملكة ومحوراً يربط التدفقات التجارية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، من خلال دمج عمليات تشغيل الأرصفة مع مرافق التخزين والتوزيع والنقل الداخلي.
توسع لا يقتصر على الداخل
بالتوازي مع توسع “موانئ”، شهد قطاع تشغيل الموانئ السعودي حضوراً متزايداً للقطاع الخاص. فقد تأسست شركة محطة بوابة البحر الأحمر (RSGT) عام 2007 لتكون أول محطة حاويات في المملكة تُطوَّر وتُدار من القطاع الخاص وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، قبل أن تبدأ عملياتها التشغيلية في ميناء جدة الإسلامي عام 2009.
وفي عام 2021، باعت الشركة السعودية للخدمات الصناعية “سيسكو” حصتين بنسبة 20% لكل من صندوق الاستثمارات العامة وشركة “كوسكو شيبينج بورت” الصينية (40% إجمالاً)، في صفقة عكست تقييماً للشركة بنحو 3.3 مليارات ريال (880 مليون دولار).
وفي كانون الأول/ديسمبر 2023، وقّعت شركة RSGTI التابعة لـRSGT عقد امتياز لمدة 22 عاماً لتشغيل محطة الحاويات في ميناء شيتاغونغ في بنغلاديش، باستثمار 170 مليون دولار (637.5 مليون ريال)، قبل أن تُدشَّن المحطة رسمياً الأحد الماضي في تموز/يوليو 2026، برفع طاقتها الاستيعابية إلى 600 ألف حاوية قياسية سنوياً، في أول تشغيل لشركة سعودية لمحطة حاويات خارج المملكة.
البحر الأحمر… رهان يتجاوز توسعة الموانئ
تكشف المشروعات التي شهدها ميناء جدة الإسلامي ومنطقة الخُمرة منذ 2021 أن الاستثمار السعودي لم يعد يركز على رفع الطاقة التشغيلية للموانئ فحسب، بل يتجه إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين الأرصفة والمناطق اللوجستية والتخزين وإعادة التصدير والخدمات الرقمية.
ويعكس تسلسل هذه المشروعات انتقال المملكة تدريجاً من تطوير البنية الأساسية للموانئ إلى بناء مراكز قادرة على استقطاب الشركات العالمية وربطها بشبكات التجارة الإقليمية والدولية، في إطار رؤية تستهدف ترسيخ موقع السعودية مركزاً لوجستياً عالمياً على البحر الأحمر.
وجاءت العقود السبعة الموقعة في تموز/يوليو 2026 لتضيف حلقةً جديدة إلى هذا المسار، رافعة عدد المراكز اللوجستية في الموانئ السعودية إلى 34 مركزاً، نصفها تقريباً في ميناء جدة الإسلامي، في مؤشرٍ على أن الرهان السعودي لم يعد ينصب على توسعة الموانئ وحدها، بل على بناء منظومة متكاملة تجعل من البحر الأحمر أحد أهم محاور التجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

