آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الشعر لدى الأديب أحمد يوسف داؤد ..فرعٌ نضرٌ في شجرته الإبداعيّة الوارفة

الشعر لدى الأديب أحمد يوسف داؤد ..فرعٌ نضرٌ في شجرته الإبداعيّة الوارفة

 

غسان كامل ونوس

 

يتميّز الأديب أحمد يوسف داؤد بموهبته وتفكيره وثقافته وتجربته ونتاجه ومسيرته؛ ولا شكّ في أنّه يستحقُّ أكثر من هذه الإطلالة على فكره وإبداعه ونقده وإصداراته وإنجازاته المهمّة، التي اشتملت على أجناسٍ أدبيّة عديدة؛ تراوحت بين الكتب البحثيّة الفكريّة والنقديّة، والرواية، والشعر، والمسرح، والمقالات والآراء والأفكار المبثوثة في عدد مهمّ من الدوريّات الأدبيّة، والجوائز، التي حصل عليها؛ (ومنها جائزة الدولة التقديريّة عن أعماله الأدبيّة في العام 2013م) ؛ خلال ما يزيد على نصف قرن من الزمن؛ (أطال الله في عمره، وقد تجاوز الثمانين منذ وقت قصير،)؛ فكلّ جانب يتطلّب دراسة وافية؛ لنقف على رحلة ثقافيّة أدبيّة ثرّة، لم تتوقّف على الكتابة والنشر؛ فامتدّت إلى مهام ثقافيّة وإعلاميّة تعدّدت في النوعيّة والمكان، اضطلع بها فترات مختلفة في المؤسّسات السوريّة. وسنقصر حديثنا التالي على الشعر؛ متمثّلًا بالمجموعة الشعريّة “صبحٌ ينام على سرير” الصادرة عن الهيئة العامّة السوريّة للكتاب في 2023- 2024م”، ومقبوسات شاهدة منها.

والتجربة الشعريّة للأديب أحمد يوسف داؤد مديدة وغنيّة وعميقة ومحلّقة؛ حيث أصدر عشر مجموعات شعريّة؛ تمتاز لغته فيها بالحداثة والإشراق والثراء والأناقة والانفتاح والاتّساع؛ على الرغم من الملامح المأساويّة والمعاناة الضارية في المَقام الدنيويّ الشخصيّ القصير، والمؤشّرات التي تُنذر بمصير، لا يقلّ كارثيّة، ينتظر؛ على صعيد الكائن الحيّ؛ بشكل عام، والبشريّ بشكل خاص؛ فرديًّا، وجماعيّا؛ وتكاد المَوسقة الشجيّة لا تفارق مقاطعه ونصوصه؛ حتّى تلك التي تتنوّع موضوعاتها، وتتفرّع، وتلتقي ما بين العاطفيّ والوجداني والاجتماعيّ والوطنيّ والإنسانيّ، في الواقع المعيش، والانشغال االفكريّ، والانفعال النفسيّ؛ سواء ما جاء منها على النمط العموديّ، أو التفعيلي، أو المنثور؛ كما تكتنز الصياغات والتعبيرات بتناصّاتٍ بديعة من النصوص الأسطوريّة والتراثِيّة والدينيّة… ويمكن القول إنّ الإيقاع الشعريّ لدى الشاعر داؤد، يمثّل أصداء حداءات لهذا الكائن الإنسانيّ المعذّب بالقلق، والعبث، والفقد، والشكّ، والتساؤل، والتكاذب، والتكفير، والتسلّط، والتنافس غير الشريف، وافتراق الأحبّة والموائل؛ وبالشحّ المادّيّ، والحرمان العاطفيّ، والتصحّر القيميّ والأخلاقي والإنسانيّ، والحصار المعنويّ، والظلم متنوّع المصادر والأشكال؛ في أيّ مكان من العالم النهِم، الذي لا يشبع، سواء أكان الإنسان طفلًا أو بالغًا، رجلًا أو امرأة؛ ولا سيّما في المجتمعات والكيانات الأقلّ تحضّرًا ورحابة وانفتاحًا، والأكثر فقرًا وتشدّدًا وأزمات معقّدة ومتشابكة ومتفاقمة؛ بفعل مشكلاتها الداخليّة المزمنة، أو التدخّل الخارجيّ قاتم النوايا؛ “ما زلتَ تلعبُ أيّها العبثُ الرخيصُ- بما تبقّى فيَّ من روحٍ..- وتأمرني القضيُّةُ أن أكون على رضى منّي- فأعجبُ: منْ أكونُ! وما القضيّةُ؟! هل أنا إلّا حطامٌ مستباحُ؟!” ص(147). وللطبيعة في شعره موقع حيويّ أثير؛ يتفاعل مع كائناتها الحيوانيّة والنباتيّة، وعناصرها ومكوّناتها، وتحوّلاتها الطقسيّة والفصليّة، المألوفة والمفارقة، كما أنّ هناك حضورًا مؤثّرًا لثقافته الواسعة المنوّعة من النشوء والتطوّر، إلى الأساطيرِ، والآثار، والتاريخ القديم والحديث، والفلسفة، والعقائد، والأديان، والآداب، والاجتماع، والنفس، والسياسة؛ “سأقول للنخلِ ارتفعْ…- ماذا حملتَ؟!- الطينُ معجونٌ بأفئدةٍ- فأيُّ نزيفِ قلبٍ حلَّ في الرطبِ؟! استوتْ فيكَ الحرائقُ والحصارُ- بأيِّ جذعِ مشيئةٍ ستهزُّ مريمْ؟!” ص(48)؛ وكذلك تبدو في نصوصه ملامحُ وانعكاساتٌ لمتابعتهِ الحثيثة للوقائع والأحداث والتحوّلات القديمة والمستجدّة، المحلّيّة والعالميّة؛ ولِملَكَته النقديّة المحاكِمة المسائلة، ولبصيرتِهِ النافذةِ القادرةِ على رصدِ كثيرٍ من العلاقات الظاهرة والخفيّة ما بين كلّ ذلك، أو بعضه؛ ولذاكرته الاكتنازيّة الطفوليّة والناضجة، ومختبره التفاعليّ الواعيّ وغير الواعيّ، وملاحظاته اللمّاحة، وشاعريّته الإيحائيّة، وإمكانيّاته اللغويّة المميّزة في التنوّع والشساعة والاشتقاق؛ ولخبرته في الثقافة والأدب والحياة؛ ولحسّه الساخر، الذي يقدّم الجِدّ بلطف وطلاوة وطرافة، وحضوره الماتع، وألفته، ودماثته؛ كلّ ذلك يجعل من شعره لوحات مشهديّة تعبيريّة نابضة ناضحة شاهدة مذكِّرة ملمِّحة ملوّحة مرمّزة، مفتوحة إلى جهات عديدة، واحتمالات كثيرة، وأفكار وانطباعات وخيالات متنوّعة؛ محوّمة، أو طائفة، مقيمة أو مهاجرة، مقبلة أو راحلة، قائمة أو ممكنة التشكّل، بقوامات ومقامات مختلفة التكوين والاكتمال، ومتفاوتة التجسيد والإيهام، ومنتثرة المشاعر والرغبات والشهوات والنزوات، والأمنيات والأحلام والكوابيس والأوهام؛ متباينة الأحوال الميئوسة والمؤمّلة، المشكّكة والمقرّرة، الكاشفة والموارية، الفاضحة والناصحة، الداعية إلى التفكير والتغيير والتدبير؛ بالرغم من الظروف غير الملائمة، والشروط القارسة، والأجواء المتقلّبة، والكائنات المعتلّة؛ بإمكانيّاتها المختلفة خَلقًا وخُلقًا، وعيًا وإحساسًا وتعليمًا وفهمًا واستيعابًا وفطرةً وتعلّمًا… وهذا ما يجعل التعامل مع النصوص الشعريّة للشاعر الواثق الحاذق الرهيف الشفيف المجلّي في الموضوعات والصياغات والتعبيرات، تخويضًا مشوّقًا محفوفًا بالانكسار والأمل، بالنشوة والخيبة، بالامتلاء والخواء، بالإشباع والجوع، بالانزلاق والانطلاق؛ “وغرقتُ في نعمى انتظاركِ لاهفًا..- حتّى استوى فرحي على أرقٍ- وطيفكِ عابثٌ بي كيفَما دارتْ رؤايَ- فلا تجيءُ ولا يغيبُ!” ص(201)؛ ولا تنسَ أن تتزوّد بالجمال في المناظر واللحظات والكائنات؛ وبالسعادة من اللقاءات الحميمة، والمشاعر النبيلة؛ وبالعطر، الذي يشعّ من الأوراد والأزهار، وبالقوّة من المواقف الشجاعة والتعبيرات المحفّزة، وبالانتظار والترقّب والحذر، وستضطرّ إلى التسلّح بالعزم والإرادة والاستعداد للتضحيّة الواجبة من أجل الحقّ والحياة المحترمة؛ كيلا تغدو قربانًا مجّانيّا مغدورًا أو مندفعًا أو متردّدًا مدفوعًا؛ مقتنعًا أو مخدوعًا؛ “أتظلُّ تستجدي حياةً لمْ تعشْها بعدُ؟!- أتعبتَ الأنينَ وما تعبتَ من اقترافِ الشوقِ- هلْ ستقودُ قافلةَ الغناءِ بلا مغنٍّ؟! نامتِ الأعراسُ من دهرٍ وما بُعثتْ..- فأيُّ صدىً بسترِ الليلِ يلعبْ؟!” ص (187).

ولاشتغال الأديب داود بالنثر؛ بحثًا ونقدًا ورواية ومسرحًا ومقالًا؛ متزامنًا مع الشعر؛ نرى بعض انسراب لخصائص نثريّة إلى النصوص الشعريّة؛ سردًا ومفرداتٍ ومواقفَ وأحكامًا؛ فيخفّف من علوّ التحليق، وبُعدِ المرامِ، ومن الشحنة، التي يبثّها في ملكات المتلقّي، ويزيد من العلامات الفارقة، ويشدّ الروابط والأفكار، التي يحاول الشعر أن يتفلّت منها إلى ما لا يطال؛ إلّا لمن استطاع إليه سبيلا؛ بقدرات مميّزة وصبر واحتمال؛ ولو بعد حين!؛ “… نتآكلُ مثلَ المساميرِ في الصدأ..- لكنّنا لا نستطيعُ أبدًا ألّا نعلنَ الولاءَ- لمن وهبونا نعمةَ الخروجِ- مطرودين من حسابِ الحياة!.” ص(67)

ويعمد الشاعر إلى دمج المادّيّ بالمعنويّ، والملموس بالمحسوس، في الصور والتعبيرات والتراكيب؛ ما يعزّز إمكانيّة التفهّم والتقدير؛ كما يربط الإنسانيّ بالوحشيّ؛ ليبتعد مسافة ما عن المثالية، التي يرومها الشعر والكائن الكامل؛ مع الصفات البشريّة والخواصّ الحيويّة لدى كائنات غير عاقلة؛ نباتيّة أو حيوانيّة، متجسّدة أو متخيّلة؛ إضافة إلى استعمال صياغات تجمع بين النقائض في حال واحدة، أو انفعال بادٍ؛ وهذا ما يضاعف الإثارة والحيويّة في النصّ. وتتقطّع نصوص الشاعر، وتتوزّع في تشكيلات، تقصر، وتطول، مرقّمة أو منجّمة؛ كما تنتظم أو تتدرّج في عدد من الأسطر المجتزأة بعدد متفاوت من الكلمات، تقلّ وتكثر؛ وبجمل وعلاقات لغويّة متناغمة ومتواقعة في الشكل والمحتوى؛ وغالبًا ما تنتهي المقطوعات بقافية واحدة متشابهة بين عدد من المقطوعات، وقد تتغيّر القوافي في النصّ الواحد المعنون. وهذا ما يضع القارئ في حال من التنقّل الماتع المتعرّج والمتدرّج بضع خطوات قد تتحوّل إلى وثبات متطاولة، وقبل أن يتعب، ومخافة أن يضيع، أو يشرد، أو يغيب؛ يعود إلى متّكإ أو مستراح، أو محطّة لانطلاقة جديدة، أو قفزة أخرى في الحيّز نفسه، أو في أحياز متقاربة، وتذكّر المشهديّة المثيرة هذه بسقسقات مائيّة متفرّقةٍ على منحدر مشبع، تختلف في طولها ومساراتها وغزارتها، سرعان ما تلتقي في جدول واحد؛ لتنتهي الجداولُ أخيرًا في مجرى آخر بعد حين؛ وبراقصٍ (دابك) مميَّز-أو أكثر- في العرس الشعبيّ، الذي كان؛ حيث يمسك في أوّل الصفّ؛ ويبرع بنقل قدميه بوتائر متفاوتة، وقد يتفلّت من الركب؛ ليقوم بحركات متنوّعة؛ ليرجع بعد حين، لا يطول، إلى إيقاع بقيّة الدابكين!

ويتمثّل الكائن الشعريّ في المجموعة: “صبحٌ يذوب على السرير” إنسانًا مخدوعًا مفلسًا على وشك النهاية: “كنتُ أسقطُ عن صهوةِ العمرِ إلّا قليلًا- وما كنت أملكُ حتّى مفاتيح موتٍ- وبيتُ أكاذيب رسميّة يتهاوى عليّ- فأسمع صوتَ أنينِ التراب” ص(8)؛ كما يبدو غريبًا متأخّرًا على الحياة مستوحشًا نازفًا يائسًا وحيدًا: “ما كان وقتٌ للمسرّةِ يا غريبُ..- فخذ بلاغة حزنكَ العاري بعيدًا- والتقطْ زبدَ انتظارِ هواكَ..- أنتَ الآنَ وحدكْ!” ص(15)،

ويظهر أحيانًا عاشقًا مغرمًا محرومًا؛ لكنّه مختلفٌ عن الآخرين بالتمثّل والتصوّر والتشبّع والانفعال؛ حيث تتشارك العاطفة مع الواقع والوجود والمصير والفكر والهواجس، التي تتجاوز العلاقة الثنائيّة إلى علاقة أغنى بالحياة؛ بطبيعتها وتفاعلاتها وتحوّلاتها وطقوسها وفصولها؛ “ما زالَ عطرٌ من بقايا الليلِ يوقظُها- فتهربُ في النعاسِ..- ويحزنُ الحبقُ الذي في فسحةِ الشبّاكِ- حتّى يستغيثَ عبيرُه بندى البكاءِ..- وفوقَ أجفانِ الطريقِ خطًا مبكّرةٌ تروحُ..- وحينَ تتعبُ لا تؤوبُ!” ص(115)؛ وأحيانًا أخرى يتخيّل نفسه مغنّيًا ابنَ طبيعةٍ مرافقًا لكائناتها: “ما كانَ لي إرثٌ سوى بعضِ الهواءِ- وبعضِ أسرابِ العصافيرِ- التي تأتي وترحلُ..- فالغناء قبيلتي وبناتُ عرسٍ رفقتي..- والتينُ والزيتونُ..- والباقي لُعَبْ!” ص(21)؛ ويتألّم على وطنٍ تبدّلت خصائصه، كما تغيّر شعورنا إزاءه؛ “فجأةً أستفيقُ على وجعٍ- كيفَ لي أن أحمّلَ قلبي جراحَ نسيمٍ- يحدّث عن وطنٍ كان..- والآنَ صارَ..- وصرنا نفسّرهُ بالمذابحِ والأمنياتِ- ونقسمُ أن نستعيدهْ”؟! ص(26).

وعلى الرغم من كلّ ذلك الأسى والمنغّصات والخراب؛ فما زال هناك أمل مشروط؛ “فهل ظلَّ متّكأٌ للنشورِ سوى أن نفيق؟!- وأن يتبرعمَ في رحمِ النارِ، بالنارِ، فجرُ الحياةِ الجديدةْ؟!” ص(29).

وهناك بعض الكلمات الاعتراضيّة الساخرة والمقرّبة من الحياة اليوميّة، والمُسهِمة في حرّكيّة عناصر المشهد، وتلوينه، وتوضع في السياق الشعريّ بين قوسين، أو بين معترضتين؛ “ما لَنا الآنَ لسنا نريدُ سوى أن نقولَ- لمن ضيّعونا: (سلامًا..- فإنّا- كما قد أمرتمْ- بخير)؟! ص(75).

وأرجو أن يكون الجميع بخيرٍ وسلامٍ وأمان.

 

 

(أخبار سوريا الوطن-مجلة الشارقة الثقافية)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المفكرة الثقافية في سوريا ليوم الأحد الـ 19 من تموز 2026

  المفكرة الثقافية 5 المفكرة الثقافية في سوريا ليوم الأحد الـ 19 من تموز 2026 دمشق: 1 – افتتاح البرنامج التدريبي الموسيقي المخصص لليافعين والشباب ...