آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » ريما جهاد حبيب…”الأميرة الفينيقية” ذات الصوت النبيل: التعليم رسالة عشق والغناء يسري في روحي ووجداني

ريما جهاد حبيب…”الأميرة الفينيقية” ذات الصوت النبيل: التعليم رسالة عشق والغناء يسري في روحي ووجداني

حوار: علي نفنوف

 

 

 

قد تكون الأصوات الجميلة قادرة على إيقاظ الذاكرة. فالجمال وحده قد يلفت الأذن، لكنه لا يصنع حضورًا يبقى في الروح. أما الأصوات التي تمتلك سرًا خاصًا، فهي تلك التي تجعلنا نشعر، ولو للحظة، بأن الزمن الجميل لم يرحل تمامًا، وأن هناك من يحمل شعلة الفن الأصيل في عالم يزدحم بالأصوات العابرة.

حين استمعت إلى صوت المطربة السورية ريما جهاد حبيب، كان أول ما شعرت به هو الدهشة. ليس لأنها تمتلك صوتًا جميلًا فحسب، ولا لأن في صوتها عبقًا من زمن الطرب الكبير؛ ذلك الزمن الذي كانت فيه الأغنية قصيدة، واللحن حكاية، والصوت موقفًا إنسانيًا قبل أن يكون استعراضًا تقنيًا.

ربما لأن لها ألقًا خاصًا، وحضورًا آسِرًا، يدخل إلى القلوب دون استئذان.

كثيرون توقفوا عند التشابه اللافت بين صوتها وصوت الفنانة الكبيرة ميادة الحناوي، حتى إن المستمع قد يجد صعوبة في التمييز بينهما في بعض المقاطع، وأنا واحد منهم. لكن هذا التشابه لا ينبغي أن يُقرأ على أنه تقليد، بل امتدادٌ لمدرسة غنائية عريقة تقوم على الدفء والإحساس والقدرة على حمل المعنى. فالفنان الحقيقي لا يُقاس بمن يشبه، بل بما يضيفه إلى الإرث الجمالي الذي ينتمي إليه.

ريما ليست مطربة فحسب؛ إنها أيضًا معلمة تحمل رسالة تربوية. تقف صباحًا أمام طلابها، ومساءً أمام جمهورها، وكأنها تؤمن بأن التعليم والغناء وجهان لرسالة واحدة: بناء الإنسان.

ومن هنا بدأت حديثي معها؛ من العلاقة بين السبورة والمسرح، بين الكلمة التي تُعلِّم والكلمة التي تُغنَّى.

تقول ريما إن الحدود بين المعلمة والمطربة تكاد تكون معدومة في حياتها، لأن الشغف واحد في الحالتين. فهناك دائمًا جمهور ينصت، سواء كان طالبًا ينتظر المعرفة، أم مستمعًا ينتظر أغنية. وترى أن التعليم ليس وظيفة تُؤدَّى، بل رسالة عشق، تمامًا كما أن الغناء يسري في روحها ووجدانها.

ولعل أجمل ما في تجربتها أنها لا تفصل بين المجالين؛ فهي توظف صوتها في عملها التربوي، فتؤلف الأناشيد لتلاميذها، وتلحنها، وتعلمهم إياها، لأن الموسيقى بالنسبة إليها ليست زينة إضافية، بل وسيلة تجعل المعرفة أكثر قربًا من القلب.

وحين سألتها: هل الغناء هو الذي اختارك أم أنك اخترت طريقه؟ أجابت بأن الموهبة هي التي رسمت مسيرتها، وأنها لم تدرك ذلك بوضوح إلا عندما وقفت للمرة الأولى على خشبة المسرح. هناك شعرت بأن الصوت لم يعد مجرد موهبة شخصية، بل أصبح رسالة لها مسؤولياتها وأحلامها.

أما عن فلسفة الأغنية ودورها في التربية، فتؤكد ريما أن الأغنية الجميلة ربّت أجيالًا كاملة، والدليل أن أغنيات الطفولة القديمة ما زالت حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. والسبب، كما ترى، أنها كانت تحمل كلمات ذات معنى، وصورًا جميلة، وتخاطب الطفل بلغة محبة وقريبة من وجدانه.

وعندما انتقل الحديث إلى التشابه الكبير بين صوتها وصوت ميادة الحناوي، لم تُخفِ سعادتها بذلك. تقول إنها تشعر بالفخر حين يشبه الناس صوتها بأصوات عمالقة الزمن الجميل، وتتمنى أن يكون صوتها قريبًا من إحدى أيقونات ذلك العصر. لكنها تؤكد، في الوقت ذاته، أن صوتها يمتلك شخصيته الخاصة، فهو صوت مرن، قادر على التماهي مع الآلة الموسيقية دون أن يفقد هويته.

وهنا برز السؤال الأهم: هل تغني ريما بصوت المطرب الذي تؤدي له، أم بروح الأغنية؟

تجيب بأنها حين تختار أغنية لأحد كبار الطرب، لا تبدأ بالبحث عن طريقة الأداء، بل تبدأ بفهم الكلمات ومعانيها، وتعيش الحالة الشعورية التي كُتبت من أجلها. فهي لا تقلد صاحب الأغنية، بل تحاول أن تمنحها إحساسها الخاص، لأن الأغنية، في نظرها، ليست صوتًا فقط، بل قصة ينبغي أن تُعاش قبل أن تُغنَّى.

ولهذا فإن أداء أعمال أم كلثوم أو ميادة الحناوي يحمل مسؤولية كبيرة. وهي تعترف بأن المقارنة ليست سهلة، لكنها تحاول دائمًا أن تغني الإحساس قبل الاسم، لأن الجمهور لا يبحث عن التطابق، بقدر ما يبحث عن الصدق.

وعن تعريفها لنفسها بعيدًا عن كل المقارنات، تقول إنها مطربة متواضعة، تتمنى أن يكون صوتها قادرًا على ملامسة مشاعر الناس؛ أن يجعل المستمع يبكي حين تستدعي الأغنية دمعة، أو يحلق فرحًا حين تحمل النغمة مساحة من البهجة. وهي تؤمن بمبدأ بسيط: لا تنافس أحدًا، بل نافس نفسك، واصنع بصمتك الخاصة.

وترى أن سر بقاء الأغنيات القديمة يكمن في أنها كانت تحمل قصة وشجنًا وفرحًا متقن الصياغة، وكانت تخاطب القلب قبل الأذن. أما أزمة الأغنية اليوم، فترى أنها ترتبط، إلى حد كبير، بالإعلام الذي يسلط الضوء أحيانًا على الانتشار السريع أكثر من القيمة الفنية الحقيقية.

ومع ذلك، فهي لا تفقد ثقتها بالجمهور، بل تؤمن بأن الذائقة ما زالت بخير، وأن الناس ما زالوا قادرين على تذوق الأغنية الطربية متى قُدمت إليهم بصدق واحترام.

وعن دور المعلم في بناء الذائقة الجمالية، تؤكد أن المعلم يستطيع أن يؤدي هذا الدور بقوة، شرط أن يكون هو نفسه مؤمنًا بالجمال، لأن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الآخرين ما لا يسكن داخله.

وحين تحدثنا عن سوريا، بدا صوتها أكثر دفئًا وصدقًا. تؤمن بأن الأغنية قادرة على ترميم الإنسان السوري، لأنها تمنحه مساحة للأمل واستعادة الروح. فالفن، في نظرها، ليس ترفًا، بل غذاء داخلي يحتاج إليه الإنسان، ولا سيما في الأوقات العصيبة.

ولو طُلب منها أن تقدم درسًا واحدًا لأطفال سوريا، فلن تبدأ بالموسيقى وحدها، بل ستبدأ بجمال الأخلاق، وجمال الروح، وجمال الحياة. وستدعوهم إلى التعبير عن مشاعرهم بالموسيقى والرسم، لأن الفنون جميعها، في نظرها، طرق مختلفة للوصول إلى الإنسان.

وتقول ريما إن الصوت هو حكاية الزمن، وإن الإنسان قد يغني شيئًا لم يعشه، لكنه لن يمنحه الروح ذاتها. فالإحساس هو الذي يجعل الأغنية حقيقية.

أما الشهرة، فلا تشغلها بقدر ما يشغلها الأثر. إنها تريد أن تترك بصمة في ذاكرة الناس، وأن يبقى صوتها حاضرًا، لا بوصفه صوتًا جميلًا فحسب، بل بوصفه تجربة إنسانية صادقة.

وفي ختام الحوار، سألتها عن الصورة التي تتمنى أن تبقى عنها عندما تُسدل الستارة على آخر أغنية في حياتها. لم تقل إنها تريد أن يتذكرها الناس بصاحبة الصوت الجميل، بل قالت إنها تتمنى أن يتذكروها إنسانة صادقة ومحبة، وأن يكونوا قد تعلموا منها شيئًا جميلًا.

وهنا، ربما يكمن سر ريما جهاد حبيب؛ فهي لا تسعى إلى أن تكون نسخة من زمن مضى، بل إلى أن تحمل جوهره: احترام الكلمة، وقداسة اللحن، وصدق الإنسان.

فالصوت الجميل قد يطربنا للحظة اما الصوت الذي يحمل روحًا صادقة، فهو وحده القادر على البقاء في الذاكرة

 

 

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“قياس المسافات في الفضاء”.. محاضرة فلكية قدمها مدير ثقافة طرطوس بحضور نخبة من الأكاديميين والاختصاصيين والطلبة والإعلاميين

  في إطار سلسلة محاضرات علوم الفلك التي تنظمها مديرية ثقافة طرطوس، بهدف نشر المعرفة العلمية وتعزيز الثقافة الفلكية لدى الجمهور، استضاف المركز الثقافي العربي ...