بقلم: أ.د. جورج جبور
تتجدد اليوم الآمال بإمكان فتح صفحة جديدة في القضية الفلسطينية، مع ما يتردد عن اتفاقات وترتيبات لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، تتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وإدارة فلسطينية موحدة، وإعادة الإعمار، وانسحاباً إسرائيلياً من القطاع. وإذا كانت هذه التطورات تمثل فرصة ينبغي اغتنامها، فإنها تذكر المجتمع الدولي في الوقت نفسه بأن أي سلام حقيقي لن يكون قابلاً للحياة ما لم يعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها الاحتلال والاستيطان.
ومن هنا، يكتسب الثاني من تشرين الثاني أهمية استثنائية، ليس بوصفه محطة تاريخية فحسب، وإنما باعتباره مناسبة تدعو العالم إلى مراجعة واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط.
ففي الثاني من تشرين الثاني عام 1917 صدر ما عُرف بـ”وعد بلفور”، وهو “وعد من لا يملك لمن لا يستحق”. ومنذ ذلك التاريخ، تعاقبت قرارات دولية عديدة أكدت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إلا أن الاستيطان ظل يتوسع، في مخالفة واضحة لأحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي اعتبرت المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعية وتشكل عقبة رئيسية أمام تحقيق السلام.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة، أجد أن الأمم المتحدة مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة موقفها التاريخي، ليس بإعادة كتابة الماضي، وإنما باتخاذ خطوة رمزية وأخلاقية وسياسية ذات دلالة كبيرة، تتمثل في إعلان الثاني من تشرين الثاني يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان.
إن مثل هذا القرار لن يكون موجهاً ضد شعب أو دين أو ثقافة، بل سيكون انتصاراً للقانون الدولي، وللمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمتها رفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وصون السلم والأمن الدوليين.
لقد أثبتت التجارب أن الاستيطان ليس مجرد قضية عمرانية أو سكانية، بل هو جوهر الصراع، لأنه يغيّر الوقائع على الأرض، ويقوض فرص إقامة الدولة الفلسطينية، ويضعف أي مسار تفاوضي مهما بلغت الجهود المبذولة لإنجاحه.
واليوم، بينما يناقش العالم ترتيبات جديدة لقطاع غزة، ويبحث عن آليات تضمن الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار، فإن من الضروري ألا يقتصر الاهتمام على معالجة نتائج الحرب، بل أن يمتد إلى معالجة أسبابها الحقيقية، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني.
إن إعلان الثاني من تشرين الثاني يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان سيكون رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لا يكتفي بإدارة الأزمات، وإنما يسعى إلى إزالة أسبابها، وأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن السلام الحقيقي يبدأ باحترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان.
إنها دعوة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجعل من هذا التاريخ مناسبة سنوية لتجديد الالتزام بالشرعية الدولية، والتأكيد أن السلام العادل لا يُبنى على القوة، بل على الحقوق، وأن مستقبل المنطقة لن يستقر إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
ولعل الذكرى المقبلة لوعد بلفور تكون مناسبة لا لاستحضار الماضي فحسب، بل لاتخاذ موقف أخلاقي وسياسي ينسجم مع تطلعات الشعوب إلى العدالة والسلام، ويمنح الثاني من تشرين الثاني معنى جديداً في الذاكرة الإنسانية: يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

