كتبت: د.م.بتول عيسى
منذ عدة أيام حضرتُ ورشة في دمشق أقامها عدد من الشباب المهتمين بدراسة الواقع السوري، على هامش محاضرة تناولت التعامل المعماري مع قضايا ذوي الإعاقة خلال مرحلة إعادة الإعمار. كان الحماس الذي ساد النقاش لافتًا، كما كانت الرغبة الصادقة في البحث عن مستقبل أفضل لسوريا واضحة في مداخلات الجميع.
تناول المشاركون قضايا عديدة، بدءًا من الاعتراض على المشاريع الاستثمارية التي تنشئ فضاءات لا يستطيع معظم السوريين الوصول إليها، مرورًا بمعالجة العشوائيات، وانتقاد واقع التعليم الجامعي، وآليات عمل نقابة المهندسين، والجهات التي ينبغي أن تقود عملية إعادة الإعمار، وصولًا إلى التشريعات التي تحكمها.
غير أن انطباعي الأساسي كان أن معظم النقاشات بقيت مجتزأة، تنظر إلى أجزاء منفصلة من المشهد، وتحمل طابع الحماس أكثر مما تستند إلى رؤية علمية شاملة لطبيعة الواقع السوري وتعقيداته.
عندما جاء دوري للتحدث، وقدمت نفسي بوصفي دكتورة في الهندسة المعمارية، شعرت بسعادة الموجودين لوجود شخص بخبرتي وتجربتي بينهم.
لذلك بدأت بترتيب محاور المشكلة من نقطة أراها أساسية: إن إعادة الإعمار، كما إصلاح التعليم، ليست قضايا يمكن مقاربتها من خلال مشروع هنا أو قرار هناك، وإنما هي منظومات معقدة ومتداخلة، يجب فهمها بالنظر إلى ما وراء المشاريع، وإلى العلاقات التي تربط مختلف القطاعات بعضها ببعض.
ميزتُ، فيما يتعلق بالتعليم، بين مستويين مختلفين: المستوى الأكاديمي والمستوى الإداري. فلدينا في سوريا كفاءات علمية وأساتذة جامعيون ومدرسون يمتلكون خبرات كبيرة، لكن المشكلة تكمن في جانب مهم من الأداء الإداري الذي يغلب أحيانًا اعتبارات المنفعة على جودة العملية التعليمية، إلى جانب استمرار نموذج تعليمي تقليدي لم يتطور بما يكفي ليتواكب مع التحولات العلمية والمعرفية التي يشهدها العالم.
كما أكدت أن مسؤولية تطوير التعليم لا تقع على الإدارة أو الهيئة التدريسية وحدهما. فالجامعة لا تستطيع أن تمنح الطالب كل العلوم والمعارف، وإنما تمنحه المفاتيح الأساسية، وتدربه على التفكير والتحليل، ليصبح قادرًا على البحث المستقل، وتوسيع مداركه، ومواصلة التعلم بنفسه.
أما في قضية إعادة الإعمار، فأوضحت أن القرار فيها يرتبط أولًا بالقرار السياسي السيادي، وأن تنفيذها ممكن إذا وُضعت خطة وطنية دقيقة، مع الاستفادة من أدوات التمويل المناسبة، وإشراك المستثمرين السوريين، بعيدًا عن التصورات التي تحصر إعادة الإعمار في مجرد تشييد أبنية جديدة.
فإعادة الإعمار الحقيقية يجب أن تقوم على مفاهيم علمية متقدمة، وفي مقدمتها العدالة المكانية، لأنها تعيد بناء المجتمع وتمنح المواطنين حقهم الطبيعي في الشراكة المعرفية في عملية البناء.
وانطلاقًا من معرفتي بواقع المؤسسة العامة للإسكان، أرى أنها تمتلك من الخبرة والإمكانات ما يؤهلها لتكون المطور العقاري الوطني القادر على قيادة إعادة إعمار المناطق المتضررة، إذا ما دُعمت بخطة واضحة، وبقدر من المرونة التشريعية، وبقرار مؤسسي يمنحها الدور الذي تستحقه.
وأعتقد أن تفعيل هذا الدور يمكن أن يشكل نقطة انطلاق حقيقية، وينطلق من السيد وزير الأشغال العامة والإسكان، وهو موضوع يستحق نقاشًا متخصصًا وتقديم مقترحات عملية بشأنه.
كما أكدت أن دور المهندسين لا يقل أهمية عن دور المؤسسات. فمن حقهم أن يطالبوا بتطوير أداء نقابة المهندسين، لكن عليهم أيضًا أن يقدموا رؤى علمية ومقترحات قابلة للتطبيق. فالعلاقة بين النقابة والمهندسين ينبغي أن تقوم على الحوار المهني، لا على تبادل الاتهامات، لأن أي مؤسسة لا تستطيع أن تتطور دون مشاركة أصحاب الاختصاص أنفسهم.
ومن القضايا التي توقفت عندها أيضًا ملف العشوائيات. فاختزال نشأتها في تفسير سياسي واحد، مهما كانت وجاهته، لا يقدم فهمًا حقيقيًا للمشكلة. إن العشوائيات في سوريا هي نتيجة تحولات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية معقدة، ارتبطت بتهميش الأرياف، وضعف التنمية الإقليمية، وأنماط النزوح الداخلي التي شهدتها البلاد عبر عقود.
ولذلك فإن فهم هذه الظاهرة يتطلب قراءة من منظور الاجتماع العمراني، ودراسة العلاقات الريفية–المدينية وتحليل اختلالاتها، قبل الانتقال إلى أي تفسير سياسي أو وضع حلول عمرانية.
ولهذا أرى أن المدخل الصحيح لإعادة الإعمار يبدأ بالنظر إلى سوريا كلها بوصفها منظومة مكانية كبرى، تتفرع منها منظومات مكانية أصغر، لا مجموعة من المدن المنفصلة.
فلا بد من وضع خطة وطنية شاملة تشمل جميع المحافظات، تنطلق أولًا من تنشيط الريف وإعادة الاعتبار للإنتاج الزراعي بوصفه رافدًا أساسيًا للاقتصاد في هذه المرحلة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى المراحل الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها التنمية الصناعية وبقية القطاعات.
ثم أضفت جانبًا أراه من أكثر الجوانب أهمية في أي رؤية وطنية لإعادة الإعمار، وهو البعد الحضاري والأثري.
فسوريا ليست مجرد مدن وقرى تحتاج إلى إعادة بناء، بل هي واحدة من أغنى بلدان العالم بالمواقع الأثرية المنتشرة على امتداد الجغرافيا السورية، وهذا الإرث ليس قيمة ثقافية فحسب، بل هو أيضًا مورد اقتصادي استراتيجي.
ومن هنا أكدت أن حماية المواقع الأثرية يجب أن تكون أولوية وطنية، من خلال وقف أعمال التخريب والتعديات بصورة مباشرة وسريعة، ووضع آليات فعالة لإدارتها وصيانتها.
مع التأكيد على أن السياحة ليست قطاعًا ثانويًا يمكن تأجيله، بل هي أحد أهم الروافد القادرة على دعم الاقتصاد الوطني إذا أُعيد تفعيلها بصورة علمية ومدروسة.
وتطرقت أيضًا إلى أهمية تفعيل دور المتاحف، ليس بوصفها أماكن لحفظ الآثار فقط، وإنما كمؤسسات تعليمية وثقافية وسياحية، تسهم في نقل المعرفة التاريخية إلى المجتمع، وتعزز السياحة المحلية، وتعيد ربط السوريين بتاريخهم.
فجزء من التحدي الذي نواجهه اليوم يتمثل في ضعف معرفة الأجيال الشابة بتاريخ سوريا وحضارتها، ولذلك فإن تسهيل الوصول إلى المعلومات الأثرية والتاريخية، وتقديمها بوسائل حديثة وجذابة، يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من مشروع إعادة الإعمار، لأن إعادة بناء الإنسان ووعيه بتاريخ بلاده لا تقل أهمية عن إعادة بناء الحجر.
وتطرقت هنا إلى جانب مهم في مستقبل العمران السوري، وهو مفهوم الهوية: ما الذي نريده من مستقبل العمران في بلادنا؟ وكيف نراه؟
خرجت من الورشة وأنا أكثر اقتناعًا بأن الواجب الأول علينا الآن هو احتضان الكفاءات المتحمسة، وتوجيهها بالطريقة العلمية الصحيحة للاستفادة من طاقاتها في مراحل الإعمار.
نحن بحاجة إلى مساحة كبيرة يلتقي فيها الشباب والخبراء والجامعات والمؤسسات وصناع القرار، لنبدأ أولًا بتشخيص المشكلات بصورة دقيقة وموضوعية، ومنها ننتقل إلى بناء رؤية وطنية متكاملة لإعادة الإعمار؛ رؤية تنظر إلى الإنسان والمكان والاقتصاد والتعليم والتشريع والتراث الحضاري بوصفها أجزاء من مشروع واحد، لا ملفات منفصلة

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
