د. م. بتول عيسى
يميل الكثير من السوريين إلى تفسير الانقسامات الاجتماعية والسياسية على أساس الطائفة أو المنطقة أو الهوية السياسية، معتبرين هذه القضايا خطوط التصدع الأساسية في المجتمع.
لكن التفسير الأقل حضوراً في النقاش العام هو الانقسام الطبقي، أو بالأحرى الفجوة الهائلة بين القادرين على تأمين حياة مريحة، وبين من يكافحون يومياً من أجل تأمين أبسط شروط البقاء.
يكشف المشهد السوري عن مفارقة قاسية بين الذين يعيشون في مستوى من الرفاهية لا تكاد تلامسه الأزمة الاقتصادية، وبين الذين لا يعرفون كيف يؤمّنون وجبتهم التالية.
وقد اتسعت المسافة الاجتماعية والاقتصادية بين الشريحتين، حتى أصبح السوريون يعيشون ضمن عوالم مختلفة تماماً، وتحولت الفوارق الاقتصادية إلى عوالم اجتماعية مغلقة.
يستطيع أصحاب المصالح الاقتصادية المتوافقة أن يلتقوا حول المصلحة الاقتصادية وحماية الامتيازات، وأن ينظروا معاً إلى شكل الاستثمارات القادمة إلى البلاد. في المقابل، تنقسم الفئات المهمشة والفقيرة على نفسها، فيتحول الفقير إلى خصم للفقير، والمهمَّش إلى أداة في صراع لا يخدم مصالحه، منشغلين بمعارك هوياتية وإعلامية لا تغير من واقعهم الاقتصادي شيئاً.
وتظهر هنا واحدة من أخطر مشكلات المجتمع السوري: الفقر لا ينتج الحرمان المادي فقط، بل يزيد أيضاً قابلية المجتمع للتفكك الاجتماعي والتأثر بالتضليل والاستقطاب.
فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط الجوع وانعدام الأمن الاقتصادي لا يملك دائماً المساحة النفسية أو المعرفية الكافية لتفكيك الرسائل الإعلامية التي تصل إليه، ويصبح من السهل دفعه إلى الاعتقاد بأن عدوه هو شخص يشبهه في الفقر، لكنه ينتمي إلى جماعة مختلفة.
وهكذا يمكن أن يتحول الصراع الاجتماعي إلى أسئلة خطيرة من قبيل: من أي طائفة أنت؟ من أي منطقة؟ مع أي جماعة؟ من تؤيد؟ بينما تختفي المسألة الاقتصادية من مركز النقاش.
لا يعني هذا أن الانقسامات الطائفية أو السياسية غير موجودة، ولا يعني اختزال المجتمع السوري كله في العامل الطبقي. لكن الخطأ القاتل هو تجاهل حقيقة أن الاقتصاد يعيد تشكيل العلاقات بين الناس، ويمنحهم الفرصة للتركيز على ذواتهم وتطورها وطموحاتها، وأن التفاوت الهائل في الثروة والفرص يمكن أن يصبح أحد أهم مصادر التوتر والعدوان الاجتماعي.
والأخطر أن المجتمع السوري لا يناقش هذه المسألة بشكل دقيق؛ إذ يتم تقديم الفقر بوصفه مشكلة اقتصادية، والبطالة بوصفها مشكلة معيشية، وارتفاع الأسعار بوصفه أزمة يومية، بعيداً عن جوهر المشكلة الأساسية المتمثلة في التنمية الشاملة المستحقة.
فالفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو أيضاً نقص في القدرة على الوصول إلى التعليم والصحة والسكن اللائق والفرص والمعلومات، وفي القدرة على المشاركة في صناعة القرار.
وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح المجتمع أكثر قابلية للتلاعب من خلال الاستقطاب، بدلاً من السعي إلى تأمين المصالح المشتركة.
من هنا، نحتاج ربما إلى صياغة سؤال مهم وطرحه للتداول:
ما إمكانيات الحماية المجتمعية الكلية من بوابة الاقتصاد؟ وما الاستثمار الناجع لنهضة اقتصادية لا تحقق الربح للمستثمر فقط، بل تعود بالنفع على البلاد بأكملها؟
تكشف الإجابة عن هذه الأسئلة طبقات من المجتمع السوري لا تظهر في الخطابات السياسية المعتادة.
فالذي يدخل الفندق الفخم، والذي يبحث عن ثمن الخبز، ليسا فقط شخصين يعيشان في مستويين اقتصاديين مختلفين؛ إنهما يعيشان تجربتين مختلفتين للمدينة، وللدولة، وللقانون، وللمستقبل، وللأمان، وللكرامة. وعندما تتباعد هذه التجارب، يفقد المجتمع اللغة المشتركة التي تجمع أفراده.
لذلك، فإن إعادة بناء سوريا ليست إعماراً للبيئة المبنية فحسب، بل هي أيضاً إعادة بناء للروابط الاجتماعية التي يمزقها التفاوت والفقر والاستقطاب.
وإذا أُريد لعملية إعادة الإعمار أن تكون عادلة ومستدامة، فعليها أن تنظر إلى الإنسان بوصفه مواطناً له حق في السكن والتعليم والعمل والبيئة والخدمات والفرص والعيش الكريم، وأن تقوم على تنمية متكاملة تمنح الجميع القدرة على العمل والربح، وتحسّن جودة الحياة.
وهنا يصبح تحسين دخل الشرائح المهمشة قضية عدالة اجتماعية وحقوق وإعادة بناء للمجتمع السوري نفسه، وليس قضية اقتصادية فحسب
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

