آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » لوركا… حين غاب الشاعر وبقيت الكلمة

لوركا… حين غاب الشاعر وبقيت الكلمة

كتب: المهندس محمود محمد صقر

 

 

هناك موتٌ لا يُغلق الحكاية، بل يتركها مفتوحةً على سؤالٍ لا يهدأ، كأن الزمن نفسه يتردد في إغلاقه.

في صيف عام 1936، كانت إسبانيا تمشي على حافة الانقسام، وقد تسلّلت إليها ما يشبه العاصفة قبل أن تُعلن اسمها. لم تكن البلاد تتجه إلى الحرب بقدر ما كانت الحرب قد بدأت تتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ حيث يضيق المجال على الاختلاف، ويثقل الخوف على الحقيقة.

كان فيديريكو غارثيا لوركا في الثامنة والثلاثين من عمره. لم يكن رجل سلاح، بل رجل لغة؛ عرفته المسارح قبل أن تعرفه ساحات الصراع، ووجد فيه البسطاء صوتًا يخرج من بين جدران الصمت، حين كانت الكلمات تصبح نادرةً وثمينة.

كان يرى ما وراء المألوف، ويصغي إلى ما لا يُقال. حوّل الألم الإنساني إلى شعر، والحرمان إلى موسيقى خفية تصل إلى من لم يجدوا لأنفسهم صوتًا. وفي زمنٍ يضيق فيه صدر المجتمع بالاختلاف، تصبح الكلمة الصادقة أكثر هشاشة، وأكثر خطورة في آنٍ واحد.

وحين لجأ إلى غرناطة، ظنّ أن الجدران قد تمنحه لحظة أمان، لكن ما كان يتقدّم في البلاد كان أوسع من أن توقفه الأبواب. انتهى به الطريق إلى الاعتقال، ثم إلى غيابٍ قاسٍ في أطراف فيثنار وألفاكار، حيث انطفأ الجسد، وبقي الأثر بلا قبرٍ يُزار.

تعددت الروايات حول ما جرى، وتداخلت السياسة مع الخصومات، ومع خوفٍ عام كان يبتلع كل ما يختلف. لكن خلف كل ذلك، تبقى صورة واحدة أكثر وضوحًا من التفاصيل: زمنٌ كان فيه الإنسان يُختزل إلى موقف، والكلمة تُعامل كأنها تهديد.

وليس الاستبداد حدثًا مفاجئًا، بل هو تراكمٌ بطيء؛ يبدأ حين يُستبدل السؤال بالصمت، وحين يصبح الخوف عادةً يومية، وحين يُطلب من الناس أن ينجوا بأنفسهم، ولو على حساب الحقيقة.

ومن عرف ليالي تُطرق فيها الأبواب بلا تفسير، وأسماءً تُمحى من الذاكرة الرسمية، وأمهاتٍ يعلّقن الانتظار على خبرٍ لا يأتي، يدرك أن هذه الحكاية ليست بعيدةً كما تبدو. إنها تتكرر بأشكال مختلفة، وتغيّر لغتها فقط، لا جوهرها.

ومع ذلك، لا حاجة لأن ننحاز إلى طرفٍ كي نحزن، ولا أن نعيد ترتيب التاريخ كي نفهم الألم. يكفي أن نتأمل الإنسان حين يُجرَّد من حقه في أن يُسأل ويُجاب، وأن نرى كيف يمكن للحياة أن تُختصر في لحظة غياب.

لم يكن لوركا يحمل سوى كلمته، لكنها كانت كافيةً لتمنح الهامش حضورًا، ولتكشف ما يُراد له أن يبقى مخفيًا. وربما لهذا لم تكن خطورته في ما يفعله، بل في ما يوقظه داخل الآخرين.

فالطلقة تُنهي صوتًا، لكن الكلمة قد تُبقي أثره حيًا في الذاكرة.

والكلمة الحرة لا تُقاوم لأنها تصرخ، بل لأنها تُعيد للإنسان حقه في أن يفهم، ويفكّر، ويشعر. وحين تنتشر بهذا الشكل الهادئ، تصبح أصعب على الإطفاء من أي ضجيج.

ظنّ من أرادوا إسكاته أن الغياب يكفي لإغلاق الحكاية، لكن ما حدث كان العكس. بقي اسمه يتنقّل بين اللغات، وعادت نصوصه إلى الخشبات، كأن ما فُقد جسدًا قد استعاد حضوره في المعنى.

ولم يكن وحده في ذلك الزمن؛ فقد غابت أصوات كثيرة لم تُمنح حتى فرصة أن تُروى. ومع ذلك، بقي في كل حكاية غيابٍ ما يشبه النداء الخافت، كأن الذاكرة ترفض أن تُغلق أبوابها تمامًا.

غاب الجسد، لكن ما خرج منه من كلمات لم يغب. بقيت لتذكّر بأن الإنسان قد يُقهر، لكن أثره لا يُمحى بسهولة، وأن ما يُزرع في الوعي لا يموت كما تموت الأشياء.

وفي النهاية، لا يعيد الفجر من رحل، لكنه يخفف من ثقل الليل، ويمنح القلوب التي أنهكها الانتظار شيئًا من السكينة؛ كأن الحياة، رغم كل ما مرّ، ما زالت قادرةً على الاستمرار

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إلغاء حفلتين لشاكيرا وكريستينا أغيليرا في أبو ظبي

ألغي مهرجانان في أبو ظبي كانت ستحيي أحدهما نجمة البوب الكولومبية شاكيرا والآخر المغنية كريستينا أغيليرا مع نخبة من النجوم العالميين، وفق ما أعلن المنظمون ...