د. سلمان رَيّا
تمثل القرارات الأميركية الأخيرة المتعلقة بسوريا تحولاً سياسياً واقتصادياً مهماً، لأنها تزيل واحدة من أكبر العقبات التي وقفت لسنوات أمام إعادة ارتباط سوريا بالاقتصاد والنظام المالي العالمي. غير أن أهمية القرار لا ينبغي أن تدفعنا إلى المبالغة في تفسير نتائجه. فرفع العقوبات أو إزالة التصنيفات قد يفتح الباب، لكنه لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح خالياً من العوائق.
المسألة الأساسية هي أن الاقتصاد العالمي لا يعمل بالقرارات السياسية وحدها. بين صدور القرار وظهور آثاره العملية توجد منظومة كاملة من البنوك والشركات والقوانين والمحاكم ومؤسسات الامتثال المالي. وهذه المؤسسات لا تتحرك بمجرد الإعلان عن تغير سياسي، بل تسأل عن المخاطر القانونية والمالية قبل أن تتعامل مع أي دولة أو مؤسسة أو مشروع.
من هنا تأتي أهمية الخطوة الأميركية. إزالة العقبات الكبرى المرتبطة بالتعامل مع سوريا قد تشجع المؤسسات المالية والشركات على إعادة دراسة السوق السورية. لكنها لا تعني أن البنوك ستفتح قنواتها فوراً، أو أن رؤوس الأموال ستتدفق تلقائياً، أو أن كل معاملة مالية أصبحت خالية من التعقيدات.
هناك، مثلاً، ملف الأحكام والدعاوى القضائية القديمة المرفوعة ضد الدولة السورية. فبعض الأحكام الأميركية أو الدعاوى المرتبطة بأحداث سابقة صدرت بحق الجمهورية العربية السورية، وليس بحق أشخاص محددين فقط. ومن حيث المبدأ، فإن تغيير الحكومة أو رفع تصنيف سياسي لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء حكم قضائي قائم. تبقى مسألة التنفيذ مرتبطة بطبيعة الحكم، ومكان وجود الأصول، وقواعد الحصانة السيادية، والقوانين الأميركية والدولية.
وهنا تبرز نقطة تحتاج إلى نقاش هادئ ودقيق: كلما عادت سوريا إلى الاقتصاد العالمي، وازدادت معاملاتها المالية الخارجية، ستصبح الحاجة أكبر إلى معالجة الملفات القانونية القديمة وتسوية ما يمكن تسويته منها. فالمشكلة ليست أن أي جهة تستطيع ببساطة الاستيلاء على أموال سورية، إذ إن تنفيذ الأحكام يخضع لشروط وإجراءات معقدة، لكن وجود أحكام قائمة يمكن أن يرفع مستوى الحذر لدى البنوك والشركات.
لذلك، فإن عبارة «إزالة عقبة استثمارية رئيسية» تبدو أكثر دقة من القول إنه «لم يعد هناك أي عائق أمام الاستثمار». فقد أزيلت عقبة كبيرة، نعم، لكن بقيت عقبات أخرى تتعلق بالمخاطر القانونية والمصرفية، وبالبنية التحتية، وبقوانين الاستثمار، وبحماية الملكية، وباستقرار التشريعات، وبقدرة المستثمر على تنفيذ العقود وتحويل الأموال.
وهذا هو التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة. فالقرارات السياسية تحتاج إلى آليات تنفيذية ومؤسسات قادرة على تحويلها إلى واقع اقتصادي. المستثمر لا يقرأ القرار السياسي فقط، بل يراقب ما يحدث بعده: هل توجد قنوات مصرفية آمنة؟ هل القوانين واضحة؟ هل العقود محمية؟ وهل تستطيع المؤسسات السورية تقديم بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها؟
القرارات الأخيرة، إذاً، ليست نهاية الطريق، لكنها يمكن أن تكون بداية مهمة له. ونجاحها لن يقاس بحجم الاحتفال السياسي، بل بقدرة الدولة على تحويل الانفتاح الخارجي إلى إجراءات عملية تقلل المخاطر وتزيد الثقة.
في النهاية، الاستثمار لا يأتي إلى الدول بسبب قرار واحد، بل بسبب منظومة كاملة تمنح رأس المال شعوراً بأن المستقبل قابل للتوقع. وإذا نجحت سوريا في بناء هذه المنظومة، فقد تتحول القرارات الأخيرة إلى نقطة انطلاق حقيقية. أما إذا بقيت القرارات السياسية أسرع من الإصلاحات المؤسسية، فستبقى الفرصة موجودة، لكن تنفيذها سيكون أبطأ وأكثر تعقيداً.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

