آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » النفط في زجاجات الويسكي! حكاية الأسطول الذي رأته الأقمار ولم تره الشاشات

النفط في زجاجات الويسكي! حكاية الأسطول الذي رأته الأقمار ولم تره الشاشات

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

 

رآني أحد زملائي أمشي مترنّحًا، كأن الطريق تحوّل تحت قدميّ إلى سطح ناقلة تتقاذفها الأمواج.

أمسكني من ذراعي وسألني:

— هل شربت؟

أخرجت هاتفي وقلت:

— ألا تعلم؟ لقد صنعوا اليوم ويسكي جديدًا، رائعًا، يُسكر أكثر من كل ما عرفناه، ويأخذني بعيدًا إلى الأحلام!

— وما اسمه؟

— سأخبرك عندما أعود من الحلم.

كنت قد قرأت مقالًا يتحدث عن «أسطول خفي» ينقل ما بين ثلاثة وخمسة ملايين برميل من النفط يوميًا عبر المضيق، رغم الحصار والعقوبات والموانئ والمصارف وشركات التأمين والأساطيل والأقمار الصناعية والرادارات وأجهزة التتبع.

غفوت، فوجدتني في بلدة من زمن الكابوي، تتوسطها حانة خشبية. لكن بدل الخيول كانت ناقلات النفط مربوطة أمام بابها، وبدل الويسكي امتلأت الرفوف ببراميل الخام الأسود.

فوق الجدار عُلّقت لوحة كتب عليها:

«هذا ممر دولي، ويحق لسفن العالم جميعها العبور منه، ولا يجوز تعطيل المرور فيه».

غطّى الغبار اللوحة، وإلى جوارها وُضعت شاشة ضخمة ظهر عليها مذيع أنيق، وخلفه عبارة:

«الحقيقة كما نراها نحن».

قال المذيع:

— الممر مغلق تمامًا، ولا تعبره أي ناقلات، باستثناء أسطول خفي لا يستطيع أحد رؤيته!

وكلما ظهرت ناقلة، أدارت الكاميرا وجهها نحو طائر نورس، ثم عاد المذيع قائلًا:

— كما تشاهدون، لا شيء في البحر سوى الطيور والأمواج!

عند أحد الأبواب وقف مأمور يلمّع مسدس العقوبات ويصيح:

— لقد أحكمنا الحصار!

وعند الباب الآخر وقف حارس يحمل مفتاح الممر؛ يفتح لسفينة ويغلق أمام أخرى. أما صاحب الحانة فكان يشتري النفط رخيصًا ويبيعه غاليًا، ويبتسم كلما ارتفعت المخاطر والأسعار.

وفجأة ظهر حصان أسود يمشي على أطراف حوافره، ويحمل فوق ظهره ناقلة عملاقة وملايين البراميل.

سألت المأمور:

— ألا ترى ذلك الحصان؟

رفع منظاره، وراجع الرادار والقمر الصناعي وجهاز التتبع، ثم قال:

— أي حصان؟ لا بد أنه من الأسطول الخفي!

وأعلن المذيع فورًا:

— ما شاهده بعض المواطنين ليس ناقلة، بل غيمة سوداء اتخذت، بالمصادفة، شكل حصان!

عندها فهمت السر: لم تعد الناقلات تحمل النفط، بل صار البحّارة يعبئونه في زجاجات الويسكي ويخفونها تحت معاطفهم!

لكنني مهندس، والمهندس قد يسكر، إلا أنه لا يتخلى عن آلته الحاسبة.

حسبت: البرميل يحتوي على نحو مئة وتسعة وخمسين لترًا، وزجاجة الويسكي على ثلاثة أرباع الليتر؛ أي إن البرميل يحتاج إلى نحو مئتين واثنتي عشرة زجاجة.

وهكذا نحتاج لنقل ثلاثة ملايين برميل إلى أكثر من ستمئة وستة وثلاثين مليون زجاجة، يخفيها نحو ثلاثمئة وثمانية عشر مليون بحّار تحت معاطفهم!

نظر المأمور إلى آلتي وقال:

— يبدو أن آلتك تشرب أيضًا!

وأضاف المذيع:

— نحذّر من الآلات الحاسبة غير المرخّصة؛ فهي تنشر أرقامًا تسيء إلى سلامة الملاحة!

وفي زاوية الحانة جلس صحفي تحيط به أدواته: هاتف وكاميرا ومسجّل وخرائط وصور أقمار صناعية وملف بأسماء السفن والشركات والوسطاء.

قال للمأمور:

— لديّ الصور وبيانات الرادار وتسجيل القبطان وحسابات المهندس.

أجابه المأمور:

— الصور غير واضحة، والرادار متعب، والقبطان يحلم، والمهندس سكران!

حاول الصحفي عرض تحقيقه، لكن المذيع قاطعه:

— نعتذر لضيق الوقت، وننتقل إلى خبير يشرح كيف تختفي ملايين البراميل لأسباب تقنية بحتة!

وعندما قرر الصحفي النشر، انطفأت أنوار الحانة. وحين عادت، كانت الشركة قد أُغلقت، والناقلة غيّرت اسمها وعلمها، والوسيط اختفى، وأصبح الملف مملوءًا بأسماء لا وجود لها.

قال الصحفي:

— لم يقتلوا الصحفي… لقد قتلوا القصة!

همس صاحب الحانة:

— وهذه المرة اكتفينا بالقصة.

ثم رفع كأسًا من النفط وقال:

— لا أحد يريد الباب مفتوحًا أو مغلقًا تمامًا؛ الباب نصف المفتوح هو الأكثر ربحًا: يمرّر النفط، ويرفع الأسعار، ويضاعف أجور النقل والتأمين والوساطة.

ونادى:

— نخب الأسطول الخفي الذي تراه الأقمار والرادارات والصحفيون والآلات الحاسبة، ولا تراه شاشة التلفاز!

عندها فهمت أن الإعلام لم يكن مرآة للحانة، بل زجاجًا مغشوشًا؛ يُريك الناقلة زجاجة، والحصان غيمة، وتقاسم الأدوار حادثًا عابرًا.

فالنفط يعبر البحر مرة، ثم يعبر الشاشات مرة أخرى، ولكن باسم مختلف وحقيقة أقل.

أفقت من حلمي، فوجدت زميلي يسألني:

— ما اسم الويسكي الجديد؟

ناولته الهاتف والآلة الحاسبة وقلت:

— اسمه النفط. الويسكي يُسكر إنسانًا ليلة، أما النفط فيُسكر العالم أعوامًا، حتى تصبح الأقمار عمياء، والناقلات زجاجات، وشريعة العصابات قانونًا دوليًا.

ثم أضفت:

— لكنه ويسكي مغشوش؛ محتواه نفط، والإعلام هو الذي وضع على زجاجته ملصقًا يقول: «ويسكي أصلي».

قرأ زميلي الخبر وأعاد الحساب، ثم بدأ يمشي مترنّحًا.

سألته:

— هل شربت؟

قال:

— لم أشرب قطرة واحدة!

ابتسمت وقلت:

— إذن وصل إليك كأس النفط أيضًا.

ففي المضيق لا يُهرَّب النفط في ظلام الليل؛ بل تُهرَّب الحقيقة في وضح النهار.

(الموقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (9)والأخيرة: وها قد وجدتُه… ما يبقى منّا حين نمضي

  بقلم: المهندس محمود محمد صقر   بعد رحلة طويلة في التاريخ، قد يكتشف الباحث أنه كان يبحث عما بقي من الحضارات في آثارها وأفكارها ...