أزال قرار الولايات المتحدة رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب أحد أبرز العوائق أمام عودة الاقتصاد السوري إلى شبكة التعاملات المالية الدولية، فاتحاً المجال أمام إعادة بناء العلاقات المصرفية والمراسلات المالية وتمويل التجارة والاستثمار، في وقت تتجه فيه سوريا إلى مرحلة جديدة عنوانها استعادة الثقة والانفتاح الاقتصادي.
ويأتي القرار في توقيت لافت، بالتزامن مع انعقاد معرض دمشق الدولي، الذي يجمع شركات ومستثمرين وأصحاب رؤوس أموال من سوريا وخارجها، ما يمنح الانفتاح المالي الجديد فرصة للانتقال من مجرد اهتمام واتفاقيات ومذكرات تفاهم إلى خطوات عملية لتمويل المشاريع وتنفيذها، ودعم مسار التعافي الاقتصادي.
عودة تدريجية إلى النظام المالي العالمي
ويشكل رفع التصنيف نقطة تحول في علاقة سوريا بالنظام المالي الدولي، بعدما كان وجودها على قائمة الدول الراعية للإرهاب عاملاً مؤثراً في سياسات الامتثال لدى المؤسسات المالية الدولية، وفي علاقات المصارف السورية بالمصارف المراسلة.
وأوضح نائب رئيس المجلس السوري الأمريكي للأعمال عبد الحميد العاقل، في تصريح لـ سانا، أن رفع التصنيف يهيئ الظروف لإعادة بناء جسور الثقة مع النظام المالي الدولي، ويفتح الباب أمام إعادة تقييم العلاقات المصرفية وبنائها على أسس أكثر وضوحاً وشفافية.
قنوات مالية متعددة
وتشمل هذه العودة تدريجياً عدة قنوات مالية، بحسب العاقل، في مقدمتها التحويلات المالية الشخصية عبر شركات التحويل المرخصة، إلى جانب خطوط تمويل التجارة والاعتمادات المستندية وضمانات الدفع، بما يسهم في تنشيط التبادل التجاري مع الأسواق الإقليمية والدولية.
كما يمكن أن تتوسع هذه العملية في مرحلة لاحقة عبر حلول المدفوعات الرقمية والتقنية المالية، بما فيها منصات الدفع والمحافظ الإلكترونية وأنظمة تحصيل الفواتير، بالتوازي مع تطور القطاع المصرفي التقليدي.
وتتخذ عودة قنوات الدفع بالفعل خطوات عملية، إذ نفذ حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان، الخميس الماضي، أول عملية دفع باستخدام بطاقة “ماستر كارد” في سوريا بعد توقف لأكثر من 15 عاماً، بالتعاون بين المصرف المركزي ومجموعة QNB سوريا وشركة “ماستر كارد”، في خطوة نقلت منظومة الدفع من مرحلة الاختبارات الفنية إلى التشغيل الفعلي لخدمة قبول المدفوعات الدولية.
إصلاحات مهدت للانفتاح
لم يأت الانفتاح المالي بمعزل عن مسار الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت سوريا تنفيذها خلال المرحلة التي أعقبت التحرير، والتي استهدفت إعادة بناء الثقة بالمؤسسات المالية وتهيئة البيئة الداخلية للاندماج مع النظام المالي العالمي، ومن بينها المرسوم التشريعي رقم 114 لعام 2025 المتعلق بتنظيم الاستثمار الأجنبي، بما يوفر إطاراً قانونياً أكثر وضوحاً أمام المستثمرين ويعزز ضمانات الاستثمار في سوريا.
وأكد صندوق النقد الدولي في تقييم صدر مطلع آب الجاري عقب زيارة بعثته إلى دمشق، أن الاقتصاد السوري يواصل التعافي، متوقعاً نمواً يتجاوز 10 بالمئة خلال عام 2026، مع استمرار الأداء القوي في 2027، مشيراً إلى أهمية مواصلة إصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الرقابة والحوكمة وأطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتحسين الإحصاءات الاقتصادية.
كما يواصل الصندوق تقديم المساعدة الفنية للحكومة السورية في مجالات المالية العامة والضرائب والجمارك وإدارة الدين العام والإصلاح المالي والرقابة المصرفية والسياسة النقدية.
ويضاف إلى ذلك ما شهده القطاع المالي من خطوات لتحديث البنية المصرفية والدفع الإلكتروني، بما فيها مذكرة التفاهم مع “ماستر كارد”، والمنحة الأخيرة من البنك الدولي بقيمة 100 مليون دولار لدعم تحديث القطاع المالي، في مؤشرات تعكس تنامي الانخراط مع المؤسسات المالية الدولية.
ويكتسب تحديث البنية التحتية التقنية وأنظمة التحقق والامتثال أهمية خاصة في تسريع إعادة الثقة مع المصارف المراسلة الدولية.
من إزالة العائق إلى جذب المستثمر
ويمنح القرار الأمريكي المستثمر الأجنبي مساحة أكبر لإعادة تقييم السوق السورية، ولا سيما مع تراجع أحد أبرز عوامل المخاطر المرتبطة بالتعامل المالي معها.

وأشار رئيس المجلس السوري الأمريكي للأعمال عصام زهير الغريواتي في تصريح لـ سانا إلى أن تعزيز ثقة المستثمر الأجنبي يتطلب تطوير الإطار التشريعي لحماية الاستثمار وضمان قابلية تحويل الأرباح، إلى جانب تعزيز شفافية عمل المصرف المركزي وتحديث البنية التحتية التقنية للقطاع المصرفي.
وقال الغريواتي: إن رفع التصنيف يمثل “محطة مفصلية” تنقل العلاقة السورية الأمريكية من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد، لافتاً إلى تواصل المجلس مع تجار وأصحاب أعمال ينتظرون إعادة ربط دمشق بشبكات التجارة والاستثمار الدولية.
وبحسب الغريواتي، يمكن أن تستقطب قطاعات مثل الاتصالات والخدمات المالية والمدفوعات والطاقة المتجددة اهتماماً عملياً في المراحل الأولى، بينما تحتاج مشاريع البنية التحتية الكبرى إلى أدوات تمويل وضمانات أكثر نضجاً للانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
من جهته، رأى مدير برامج سوريا ومكافحة الإرهاب في معهد الشرق الأوسط(MEL) تشارلز ليستر، أن إلغاء التصنيف يفتح الباب أمام انخراط اقتصادي أمريكي وغربي جاد في سوريا، بدءاً من قطاعات التمويل والمصارف وصولاً إلى الطاقة والتكنولوجيا والاتصالات، معتبراً أن تحقيق ذلك عملياً قد يحتاج إلى أسابيع أو أشهر، وفق قرارات المؤسسات والقطاع الخاص وتقديرات المخاطر.
معرض دمشق.. التقاء رأس المال بالفرص الاستثمارية
ويكتسب القرار أهمية إضافية لتزامنه مع معرض دمشق الدولي، الذي يوفر منصة مباشرة لالتقاء رأس المال بالفرص الاستثمارية السورية، في مرحلة باتت فيها إمكانية تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشاريع فعلية مرتبطة أيضاً بعودة القنوات المصرفية وتمويل التجارة.
ويمنح هذا التزامن المستثمرين قدرة أكبر على تقييم السوق السورية واتخاذ خطوات عملية نحو التنفيذ، مع تحسن بيئة الدفع والتحويلات وتوسع أدوات التمويل.
وفي هذا السياق أكد الغريواتي أن توقيت القرار قبل المعرض يبعث إشارة إيجابية للمستثمرين، لكنه أشار إلى أن الانتقال من الاستكشاف وتوقيع مذكرات التفاهم إلى التمويل والتنفيذ يحتاج إلى استقرار القنوات المصرفية والأطر التنظيمية والامتثال المالي.
خطوات لاحقة
ومع رفع التصنيف، تتجه الأنظار إلى الخطوات اللاحقة لاستكمال إزالة القيود التي ما زالت تعيق عودة سوريا الكاملة إلى النظام المالي الدولي، بالتوازي مع استمرار تحديث القطاع المصرفي وتطوير أنظمة الامتثال والمدفوعات.
وتؤكد وزارة الخارجية والمغتربين أن استكمال رفع القيود المالية وإزالة التحديات المتبقية يمثلان جزءاً من مسار إعادة الاندماج الاقتصادي والمالي لسوريا، بما يتيح توسيع التعاملات الدولية وفتح المجال أمام الاستثمارات.
ومع انتقال سوريا من مرحلة استعادة الثقة إلى مرحلة بناء الشراكات، تبدو عودة القنوات المالية الدولية عاملاً أساسياً في تحويل الانفتاح الاقتصادي إلى حركة فعلية للأموال والمشاريع، ليأتي معرض دمشق الدولي في توقيت يسمح بأن تكون الاتفاقيات الموقعة فيه بداية لمسار جديد عنوانه التمويل والتنفيذ والتعافي.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن

