آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » الإخفاق السياسي العربي: أين يكمن الخلل؟

الإخفاق السياسي العربي: أين يكمن الخلل؟

د. سلمان ريا

 

 

 

ليس السؤال عن الإخفاق السياسي العربي جديدًا، لكن الجديد الذي يستحق التأمل هو استمرار السؤال نفسه رغم مرور عقود طويلة على قيام الدول العربية الحديثة، وتغير الأنظمة والحكام والأيديولوجيات. فقد عرف العالم العربي الملكيات والجمهوريات، والحكم العسكري والحكم المدني، والأنظمة المحافظة والثورية، وشهد تجارب مختلفة في الوحدة والانفصال، وفي الاشتراكية والليبرالية والقومية والإسلام السياسي. ومع ذلك بقيت أزمات السياسة تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

وهنا تبرز أهمية السؤال الذي يضعنا أمامه محمد جابر الأنصاري: إذا كانت المشكلة السياسية العربية لا يمكن تفسيرها دائمًا بوجود الاستعمار أو التدخل الخارجي أو الظروف الدولية، فأين يكمن الخلل إذن؟

ربما تكون البداية من ملاحظة بسيطة: العرب لم يعجزوا عن بناء حضارة، ولم يعجزوا عن إنتاج الفكر والأدب والعلم، لكنهم واجهوا تاريخيًا صعوبة أكبر في بناء تجربة سياسية مستقرة وقادرة على إدارة الاختلاف وتداول السلطة. وهذه المفارقة تستحق البحث؛ لأن ضعف السياسة لا يعني بالضرورة ضعف المجتمع، كما أن قوة الدولة لا تعني بالضرورة قوة مؤسساتها السياسية.

لقد ظلت السلطة في تجارب عربية كثيرة أقرب إلى الغاية منها إلى الوسيلة. فبدل أن تكون الدولة إطارًا لتنظيم المجتمع وحماية حقوق أفراده، أصبحت السلطة أحيانًا هي مركز الدولة ومحورها. وبقدر ما تتركز السلطة، تضعف المؤسسات، وبقدر ما تضعف المؤسسات يصبح انتقال السلطة أكثر صعوبة، ويتحول الخلاف السياسي من منافسة طبيعية إلى صراع على الوجود.

ومن هنا تبدأ دائرة مفرغة: سلطة تخشى المعارضة، ومعارضة تخشى السلطة، ومؤسسات لا تمتلك الاستقلال الكافي، ومجتمع لا يثق دائمًا بقدرته على التأثير في القرار العام. وفي مثل هذه البيئة تصبح الانتخابات، والأحزاب، والبرلمانات، والدساتير عاجزة عن أداء وظائفها إذا لم تستند إلى ثقافة سياسية تؤمن بأن السلطة قابلة للمراجعة والتغيير.

لكن تحميل الأنظمة وحدها مسؤولية هذا الوضع لا يكفي. فالإخفاق السياسي ظاهرة مركبة، تشارك في إنتاجها بنية المجتمع، وطبيعة النخب، والثقافة السياسية، والتاريخ، والاقتصاد، والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن النقد الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة أخلاقية للأشخاص، بل إلى محاولة لفهم الآليات التي تجعل الفشل يتكرر حتى بعد تغيير الأشخاص.

المشكلة، إذن، ليست فقط في من يحكم، وإنما في الطريقة التي تُمارس بها السلطة، وفي طبيعة المؤسسات التي تحيط بها، وفي قدرة المجتمع على مراقبتها، وفي القواعد التي تحكم انتقالها.

ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله هو البحث عن تفسير واحد للإخفاق العربي. فالاستعمار عامل مهم، لكنه لا يفسر كل شيء. والاستبداد عامل أساسي، لكنه ليس التفسير الوحيد. والانقسامات الاجتماعية مؤثرة، لكنها لا تجعل الفشل قدرًا محتومًا. أما العامل الخارجي، فعلى الرغم من قوته، فإنه يصبح أكثر تأثيرًا حين يجد دولة ضعيفة ومجتمعًا منقسمًا ومؤسسات هشة.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يقود البحث ليس: من المسؤول عن فشل السياسة العربية؟ بل: ما البنية التي جعلت هذا الفشل قابلًا للتكرار؟

من هذا السؤال يمكن أن نبدأ قراءة التجربة السياسية العربية لا بوصفها سلسلة من الهزائم والانتصارات، وإنما باعتبارها تجربة تاريخية تحتاج إلى فهم جذور عطلها، والتمييز بين ما هو نتيجة لظروف استثنائية وما هو جزء من نمط سياسي متكرر.

وربما تكون الخطوة الأولى في الإصلاح هي الاعتراف بأن الأزمة أعمق من تغيير حاكم أو حكومة، وأن بناء السياسة يبدأ من بناء المؤسسات والقواعد التي تجعل السلطة قابلة للمساءلة، والاختلاف قابلًا للإدارة، والانتقال السياسي ممكنًا دون أن يتحول إلى صراع على بقاء الدولة نفسها.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سورية واللحظة التاريخية

  أحمد رفعت يوسف   تطورات مهمة شهدها الملف السوري خلال الأيام القليلة الماضية، كان أبرزها رفع اسم سورية من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، ...