آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » الاقتصاد والسياسة والقانون: ثلاثية بناء الدولة

الاقتصاد والسياسة والقانون: ثلاثية بناء الدولة

بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة

 

مدير المركز السوري للدراسات القانونية

 

 

تقوم الدولة الحديثة على توازن وترابط ثلاث ركائز أساسية: السياسة والقانون والاقتصاد.

* السياسة تحدد الأولويات.
* القانون يضع القواعد وينظم العمل العام.
* الاقتصاد يوفر الموارد ويسهم في تنفيذ السياسات وتحقيق أهدافها.

ويتجسد هذا الترابط بوضوح في الموازنة العامة للدولة، باعتبارها الخطة المالية والاقتصادية التي تعكس أولويات الدولة، وتحدد مواردها ونفقاتها، وتُقر وفقًا للأصول والقواعد القانونية.

أولًا: التمييز بين الصندوق السيادي والموازنة العامة

الصندوق السيادي

الصندوق السيادي هو أداة لإدارة واستثمار جزء من أموال أو أصول الدولة، بهدف تحقيق عوائد، والمحافظة على الثروة وتنميتها للأجيال القادمة، وفق الغاية والأهداف التي يُنشأ من أجلها.

ويمكن، على سبيل التوضيح، تشبيه الصندوق السيادي إلى حدٍّ ما بصندوق ادخار واستثمار للأسرة؛ إذ يخصص رب الأسرة جزءًا من المال للادخار والاستثمار، بهدف تنميته والاستفادة منه عند الحاجة أو لصالح مستقبل الأبناء.

وهذا الصندوق لا يمثل جميع أموال الأسرة، ولا يحدد بمفرده كيفية إدارة شؤونها المالية اليومية. وبالمثل، فإن الصندوق السيادي يُعد أداة من أدوات الإدارة المالية للدولة، ولا يحل محل الموازنة العامة.

الموازنة العامة

أما الموازنة العامة فهي وثيقة مالية وقانونية تعدها الحكومة ويناقشها مجلس الشعب ويقرها وفقًا للأصول الدستورية والقانونية، وتُقدّر فيها مسبقًا إيرادات الدولة ونفقاتها للسنة المالية المقبلة، كما تحدد أوجه الإنفاق ومصادر التمويل وأولويات الدولة الخدمية والاستثمارية والتنموية.

ومن خلال الموازنة العامة يمكن التعرف إلى:

* مصادر أموال الدولة وحجم الإيرادات وأنواعها وآليات تحصيلها.
* المشاريع الخدمية والاستثمارية التي تنوي الدولة تنفيذها.
* حجم الكادر الإداري واحتياجاته ومتطلباته المالية.
* أولويات الإنفاق العام ومجالات توجيه الموارد.

ولهذا فإن الموازنة ليست مجرد حسابات مالية، وإنما هي ترجمة للسياسة العامة للدولة إلى أرقام واعتمادات والتزامات قانونية قابلة للتنفيذ والرقابة.

ومن هنا تبرز أهمية أن تكون إدارة الموارد العامة وأوجه الإنفاق ضمن إطار مؤسسي وقانوني واضح، بما يضمن توجيه الموارد نحو المصلحة العامة، ويحافظ على كفاءة الإدارة المالية للدولة.

ثانيًا: الرقابة وأثرها في حماية المال العام

إن المال العام يحتاج، بطبيعته، إلى منظومة رقابية فعالة تضمن حسن إدارته واستخدامه وفق القوانين والاعتمادات والأهداف المقررة.

فالرقابة تسهم في الحد من الهدر وسوء الإدارة، وتعزز الشفافية، وتساعد على معالجة مظاهر الفساد والمحسوبيات وتضارب المصالح، كما تساهم في رفع كفاءة الإنفاق العام.

والفساد لا يؤثر في الموارد المالية للدولة فحسب، بل قد ينعكس أيضًا على تنفيذ المشاريع، وجودة الخدمات، وأولويات الإنفاق، وفرص التنمية، وثقة المواطن بالمؤسسات العامة والقانون.

لذلك فإن الرقابة على المال العام ليست مسألة إجرائية فقط، وإنما هي أحد أهم مقومات الإدارة الرشيدة وحماية المصلحة العامة.

والمقصود هنا الرقابة بمختلف صورها وأشكالها، بما فيها الرقابة البرلمانية والإدارية والمالية والمجتمعية والقضائية، كلٌّ ضمن اختصاصه وصلاحياته.

كما أن إقرار البرلمان للموازنة لا يمثل نهاية الرقابة البرلمانية على المال العام، وإنما يشكل بداية لمسار رقابي يستمر خلال مراحل تنفيذ الموازنة وبعد انتهاء السنة المالية.

وتتمثل هذه الرقابة في ثلاث مراحل رئيسية:

1. الرقابة السابقة

وتتم عند مناقشة مشروع الموازنة وإقرارها، حيث يدرس البرلمان تقديرات الإيرادات والنفقات، ويناقش أولويات الإنفاق، ويمنح الحكومة الإذن القانوني بالإنفاق ضمن الاعتمادات المقررة.

2. الرقابة أثناء التنفيذ

وتتم خلال السنة المالية، للتأكد من أن الحكومة تنفق الأموال العامة وفق الاعتمادات التي أقرها البرلمان، وأنها لا تتجاوز حدودها أو تستخدمها في غير الأغراض المخصصة لها.

3. الرقابة اللاحقة

وتتم بعد انتهاء السنة المالية، من خلال دراسة الحساب الختامي للدولة، والاستناد إلى تقارير أجهزة الرقابة المالية المختصة، للتحقق من كيفية تنفيذ الموازنة ومدى الالتزام بالقواعد القانونية والاعتمادات المقررة.

ومن ثم، فإن تفعيل الرقابة البرلمانية والمؤسسية على أعمال الحكومة يمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز التوازن بين السلطات، وترسيخ الشفافية والمساءلة، وتحقيق حسن إدارة المال العام، وذلك في إطار الصلاحيات التي يحددها الدستور والقانون.

ثالثًا: ارتباط إعادة الإعمار بالموازنة العامة

إن سورية، بعد سنوات الحرب وما خلفته من أضرار واسعة في البنية التحتية والقطاعات الخدمية والإنتاجية، تحتاج إلى خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار والتنمية، تقوم على رؤية واضحة وأولويات محددة، وتتكامل فيها السياسات الاقتصادية والمالية والاستثمارية.

وينبغي أن تحدد هذه الخطة:

1. حجم الأضرار والاحتياجات والمناطق والقطاعات الأكثر تضررًا.

2. أولويات الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمدارس والمشافي.

3. أولويات المشاريع الإنتاجية والاستثمارية، بما يسهم في خلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد وتعزيز القدرة الإنتاجية.

4. كلفة المشاريع ومراحل تنفيذها، وفق جداول زمنية واضحة وقابلة للمتابعة والتقييم.

5. مصادر التمويل، بما فيها الموازنة العامة والمنح والقروض والاستثمارات وغيرها من الموارد المشروعة.

6. آليات واضحة للرقابة والمساءلة والشفافية، للحد من الهدر والفساد وتضارب المصالح وضمان توجيه الموارد نحو الأهداف المحددة.

فتحديد أولويات إعادة الإعمار ليس قرارًا إداريًا بحتًا، بل هو قرار وطني يتعلق بأموال المجتمع ومستقبل الدولة، ولذلك ينبغي أن يتم ضمن إطار مؤسسي وقانوني ومالي ورقابي واضح.

الخلاصة

إذا كانت سورية تتطلع إلى إعادة الإعمار، وبناء اقتصاد منتج، وتعزيز دولة المؤسسات والقانون، فإنها تحتاج إلى نظام مؤسسي متكامل لإدارة المال العام، يقوم على الكفاءة والشفافية والمساءلة وحسن توجيه الموارد.

ويمكن للصناديق السيادية وصناديق إعادة الإعمار أن تكون أدوات مالية وتنموية مهمة، شريطة أن تعمل ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح، وأن تتكامل مع الموازنة العامة ولا تتحول إلى بديل عنها، مع ضمان خضوع المال العام لأطر الرقابة والمساءلة المعتمدة.

ومن هنا، فإن بناء سورية الجديدة وتعزيز مؤسساتها يتطلب ترسيخ مجموعة من المبادئ الأساسية:

من الإدارة الفردية إلى الإدارة المؤسسية،
ومن تغليب الاعتبارات الخاصة إلى تغليب المصلحة العامة،
ومن الإنفاق غير المخطط إلى الموازنة والتخطيط المالي،
ومن ضعف المساءلة إلى تعزيز الرقابة والشفافية.

مع الأخذ بالمبدأ الجامع:

السياسة تحدد الأولويات،
والقانون ينظمها ويضبطها،
والموازنة توفر إطار تمويلها،
والاقتصاد يسهم في تنفيذها وتحقيق أهدافها،
والرقابة تحمي المال العام وتعزز كفاءة الدولة ومؤسساتها.

وأخيرًا، فإن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بكثرة الخطاب، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل السياسات إلى برامج، والقوانين إلى إجراءات، والموارد إلى مشروعات وخدمات، في إطار من المسؤولية والشفافية والمصلحة الوطنية.

فكلما تكاملت السياسة والقانون والاقتصاد والرقابة، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة تحديات إعادة الإعمار، وتحقيق التنمية، وترسيخ الثقة بالمؤسسات، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لسورية
(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سورية بحاجة إلى مراجعة نقدية شاملة

بقلم: حسين حمادة   مدير المركز السوري للدراسات القانونية     بعد مضي قرابة عامين على سقوط النظام الأسدي، تجد سورية نفسها أمام مرحلة مفصلية ...