عدنان كامل الشمالي
في الريف الداخلي لمحافظة طرطوس، حيث يبدأ الساحل بالابتعاد قليلاً عن البحر، وتعلو الأرض تدريجياً باتجاه جبال الساحل السوري، تختبئ حمين بين التلال الخضراء، كبلدة اختارت الطبيعة أن تكون إطارها الأول.
هي إحدى بلدات منطقة الدريكيش ومركز ناحية تحمل اسمها، وتقع في ذلك الحزام الجبلي الذي يجعل الوصول إليها رحلة قصيرة من حيث المسافة، لكنها مختلفة في طبيعة المشهد والمناخ والبيئة.
وما إن يقترب الزائر من حمين حتى يبدأ المشهد بالتغير شيئاً فشيئاً؛ فالطريق يصعد وينحدر بين التلال، وتظهر أشجار الزيتون والسنديان والصنوبر، وتتوزع البيوت على المرتفعات والسفوح، بينما تنحدر الأرض في بعض المواقع نحو الأودية الخضراء.
وهذه الطبيعة المتدرجة هي إحدى أبرز سمات حمين؛ فالبلدة لا تستقر في موقع واحد، وإنما تتوزع أحياؤها على مجموعة من التلال، ثم تنحدر من المرتفعات باتجاه الأودية والبساتين.
بين التلال والوديان
تشير المصادر المحلية إلى أن أعلى ارتفاع في البلدة يصل إلى نحو 400 متر في منطقة جبل الشيخ معلا حمين، وهو ما يمنح بعض مواقعها إطلالات واسعة على الجبال والوديان المحيطة.
ومن هذه المرتفعات تبدو حمين وكأنها مجموعة من القرى المتناثرة في حضن الجبل، تتصل فيما بينها بالطرق وتجمعها طبيعة واحدة، يغلب عليها اللون الأخضر والتضاريس المتدرجة.
ولعل الماء هو أكثر ما يميز المنطقة بعد خضرتها. فحمين معروفة بكثرة ينابيعها، وتذكر المصادر المحلية وجود ثلاثة ينابيع رئيسية فيها، توصف مياهها بأنها صالحة للشرب وغزيرة صيفاً وشتاءً، كما جرى في وقت سابق تحسين نبع عين الشمالية وزيادة غزارته.
واليوم، يحضر اسم عين الشمالية كموقع معروف في حمين، إلى جانب مواقع أخرى مرتبطة بالمياه والطبيعة.
وهنا يصبح للرحلة إلى حمين معنى آخر؛ فالنبع ليس مجرد مصدر للماء، بل جزء من المشهد الريفي الذي اعتاد أبناء المنطقة أن يعيشوا حوله: ماء يخرج من الأرض، وشجرة تظلل المكان، ووادٍ يمتد أسفل التلة، وطريق ريفي يربط قرية بأخرى. عناصر بسيطة في ظاهرها، لكنها هي التي تصنع جمال الريف الحقيقي.
الزيتون والسنديان والصنوبر
تحيط بحمين مساحات واسعة من الزيتون والسنديان والصنوبر، كما عرفت المنطقة بزراعة الزيتون والكرمة والحبوب والتفاح، وهي زراعات تعكس تنوع البيئة الجبلية المحيطة بها.
وفي الربيع تكتسي السفوح بثوب أخضر كثيف، بينما تمنح أشجار الزيتون المكان مظهره الريفي الدائم، وتضفي أشجار السنديان والصنوبر على بعض المواقع طابعاً أقرب إلى الغابة.
ولا ينفصل هذا المشهد عن حياة الناس؛ فالزراعة ظلت جزءاً أساسياً من علاقة أبناء المنطقة بأرضهم، وحافظت البساتين والأشجار على حضورها بوصفها عنصراً من عناصر المشهد الطبيعي والاجتماعي للبلدة.
حمين ومحيطها
ولأن حمين ليست بلدة معزولة عن محيطها، فإن جمالها الحقيقي لا يتوقف عند حدودها العمرانية.
فهي مركز لناحية تضم عدداً من القرى والتجمعات، من بينها بيت الراهب، وضهر مطرو، وحبابة، وجورة الجواميس، والجراص، والمصطبة، والملاجة،وبيت الشنبور، وضهر حمين، وبيت الكرم، وبجمرة، وقلع الصويري، وبيت الجهني.إلى جانب حمين نفسها.
وبين هذه القرى تمتد شبكة من الطرق الريفية التي تعبر مناطق يغلب عليها الطابع الجبلي والزراعي، لتمنح المنطقة كلها طابعاً واحداً، وتتيح للزائر فرصة اكتشافها على مهل.
حكاية الاسم والمكان
وللبلدة أيضاً حكاية قديمة مع المكان، تتداخل فيها الذاكرة الشعبية مع الروايات التاريخية.
فهناك أكثر من تفسير لأصل اسم حمين؛ بعض الروايات تربطه بأصول قديمة، بينما تذهب روايات أخرى إلى اسم “حمانا” ذي الأصل البيزنطي، بمعنى الموضع المحصن أو القلعة المحمية.
ومثل هذه التفسيرات تبقى بحاجة إلى مزيد من البحث الأثري واللغوي قبل اعتماد أحدها بوصفه التفسير النهائي، لكنها، في كل الأحوال، تكشف عن قدم الاهتمام بالمكان وما يحيط به من روايات وآثار.
وفي غرب البلدة، تذكر المصادر المحلية وجود موقع يعرف باسم قلعة السلاطين، كما تتحدث عن صخور كبيرة وكهوف ونقوش قديمة في بعض الوديان، ومن أشهر الأسماء المتداولة في هذا السياق “الشالوق”
وتبقى هذه المواقع، بما تحمله من روايات، مادة جديرة باهتمام الباحثين في تاريخ المنطقة، شرط إخضاعها للدراسة والتوثيق الأثري والعلمي، بعيداً عن المبالغة التي كثيراً ما ترافق الحكايات الشعبية حول المواقع القديمة.
الطبيعة تفتح أبواب السياحة الريفية
لا تحتاج حمين إلى الكثير كي تتحول إلى مقصد للسياحة الريفية؛ فالطبيعة قدمت لها معظم عناصر الجذب.
فقد انتشرت فيها وفي محيطها منتزهات بين الأشجار وعلى الجبال، مستفيدة من الينابيع والمناظر الطبيعية، وتظهر حتى اليوم مواقع للجلوس والتنزه، ومنها عين الشمالية وعين ماء حمين، إلى جانب عدد من المطاعم والمنتزهات في البلدة ومحيطها.
والجميل في حمين أن السياحة فيها لا تحتاج إلى برنامج طويل أو معقد. يمكن للزائر أن يصل إليها في رحلة ريفية، ثم يتوقف عند أحد الينابيع، ويتابع الطريق بين الأشجار والقرى، ويصعد إلى أحد المرتفعات، حيث تتسع الرؤية أمامه على التلال والوديان، ثم يتابع باتجاه إحدى القرى المحيطة.
وإذا صادف موسماً مناسباً، فإن الربيع والخريف، خصوصاً، يقدمان مشهداً مختلفاً للطبيعة، فيما يمنح الصيف فرصة للاستمتاع بالأماكن الظليلة والينابيع والهواء الجبلي.
حمين على الخريطة السياحية لطرطوس
تزداد قيمة حمين عندما ننظر إليها ضمن خريطة طرطوس السياحية، لا باعتبارها موقعاً منفرداً، وإنما باعتبارها حلقة في سلسلة الريف الجبلي للمحافظة.
فهي قريبة من الدريكيش، وتتصل بقرى ومواقع طبيعية عديدة، ويمكن أن تكون نقطة انطلاق لجولة تجمع بين الينابيع والقرى والغابات والبساتين والمواقع التراثية.
وهذه الخصوصية تمنحها فرصة لتكون جزءاً من مشروع أوسع للسياحة الريفية في طرطوس، يقوم على تعريف الزائر بالمكان من خلال طبيعته وحياة أهله وتراثه، لا من خلال إنشاء مواقع سياحية جديدة فقط.
جمال لا يظهر دفعة واحدة
وربما تكون هذه هي القيمة الحقيقية لحمين؛ فهي ليست من الأماكن التي تصرخ بجمالها أمام الزائر من اللحظة الأولى، وإنما من تلك الأماكن التي تكشف جمالها بالتدريج.
كلما صعد الطريق ظهرت شجرة، وكلما انحدر ظهر وادٍ، وكلما اقتربت من قرية خرج من بين البيوت بستان أو نبع، وكلما ابتعدت قليلاً اتسعت الصورة لتظهر سلسلة أخرى من الجبال.
في حمين، لا يبدو الجمال منفصلاً عن المكان؛ فالطبيعة جزء من الحياة اليومية، والنبع جزء من الذاكرة، والشجرة جزء من المشهد، والطريق جزء من الحكاية.
حمين، في النهاية، ليست مجرد اسم على خارطة منطقة الدريكيش، ولا مجرد مركز ناحية تتبعه مجموعة من القرى.
إنها نموذج لذلك الريف الطرطوسي الذي ما زال يحتفظ بعناصره الأولى: الجبل، والماء، والشجرة، والبستان، والقرية، والطريق، وذاكرة الناس التي أضافت إلى المكان حكاياتها وأسماءها.
ولهذا، فإن زيارة حمين لا تكون مجرد نزهة إلى بلدة جبلية، بل رحلة قصيرة في قلب الريف الطرطوسي؛ رحلة تبدأ من الطريق، ثم تدخل بين التلال، وتتابع مع الماء والخضرة، قبل أن تنتهي عند مشهد واسع يجعل الزائر يدرك أن أجمل ما في حمين ليس معلماً واحداً يمكن تصويره، وإنما ذلك التآلف الهادئ بين الجبل والنبع والشجرة والإنسان





(موقع :أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

