آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » من دوشنبه… انطباعات أولى عن طاجيكستان

من دوشنبه… انطباعات أولى عن طاجيكستان

د. إبراهيم استنبولي

 

 

كان اليوم الأول من زيارتي إلى طاجيكستان طويلًا جدًا… طويلًا إلى درجة أنني وصلت عند الثالثة والنصف صباحًا، وبعد ساعات قليلة فقط كان عليّ أن أبدأ برنامجًا حافلًا بالفعاليات واللقاءات.

لكن التعب كان ينسحب شيئًا فشيئًا أمام ما كنت أراه.

منذ لحظة الوصول، كان الاستقبال على أعلى مستوى، والتنظيم واضحًا ودقيقًا. أُقيمت إقامتنا في فندق “ريجنسي حياة” قبل أن نتناول الغداء في وقت مبكر، ثم نتوجه إلى المكتبة الوطنية في العاصمة دوشنبه، تلك التي تحمل اسم الفردوسي العظيم.

وهناك، في قاعة كبيرة مكتظة بالوفود، أقيم حفل رسمي بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال جمهورية طاجيكستان.

كان الحضور متنوعًا، من باكستان وإيران وأفغانستان وأوزبكستان وأذربيجان وروسيا وبلدان أخرى. وجوه وثقافات ولغات مختلفة اجتمعت في مكان واحد.

ومن المصادفات الجميلة أنني التقيت هناك المترجم الفرنسي لكتاب الطاجيك، فيليب ريشار، الذي سبق أن التقيته قبل أكثر من ثلاث سنوات. تعانقنا كصديقين قديمين، وكأن السنوات لم تمر.

ومع أن القاعة كانت مكتظة، لم يكن ثمة صخب أو ضوضاء. كان التنظيم والانضباط واضحين، حتى إن الهواتف المحمولة لم يكن مسموحًا بإدخالها إلى القاعة.

ألقى رئيس جمهورية طاجيكستان، وقائد مسيرة الشعب الطاجيكي نحو الوحدة والاستقرار والسلام، كلمة مطولة ومحورية، أعقبتها مداخلات أخرى، ثم عُقدت ورشة عمل شارك فيها باحثون من بلدان عدة.

كنت قد أعددت للمشاركة، لكن عدد الراغبين في الكلام كان كبيرًا، فلم أقدم ورقة عمل.

ما الذي رأيته في دوشنبه؟

ربما كان أكثر ما استوقفني في اليوم الأول هو المدينة نفسها.

ثمة نهضة عمرانية هائلة يصعب ألا تلفت انتباه الزائر. مبانٍ رسمية ضخمة، ومنشآت ذات طابع اجتماعي، وشوارع واسعة، وأرصفة عريضة ونظيفة، وعناية واضحة بالمشهد العام.

قد يختلف المرء في تقييم حجم الإنفاق على هذا العمران أو أسلوبه، لكن من الصعب ألا يلاحظ ما طرأ على المدينة من تغيير.

أما النظافة، فهي مسألة أخرى.

على الأقل في الشوارع المركزية التي مررت بها، كان من الصعب أن ترى على الأرض عود ثقاب أو محرمة ورقية أو عقب سيجارة.

والنقل العام منظم. الحافلات تسير بانتظام، وسيارات الأجرة الحديثة التي تعمل بالطاقة الكهربائية موجودة بكثرة، ولا وجود لذلك المشهد المألوف لدينا من «السرافيس» القديمة التي قد تشوّه المدينة وتلوث الهواء والمشهد في آن واحد.

حتى الأرصفة هنا تبدو وكأنها جزء من فكرة المدينة، لا مجرد مساحة متروكة على جانبي الطريق.

ولفتني أيضًا مظهر الناس. رجال أنيقون ونظيفون، ونساء بملابس عفوية وبسيطة، من دون مبالغة في المظهر.

وفي الحفل الرسمي تحديدًا، لم أرَ بين الجمهور رجلًا غير حليق الذقن، كما لم أرَ سيدة ترتدي الحجاب بالمعنى الديني الذي نعرفه في مجتمعاتنا.

أسجل ذلك بوصفه انطباعًا شخصيًا عما رأيته، لا حكمًا عامًا على المجتمع الطاجيكي كله.

وحين يحين موعد الطعام…

بعد انتهاء الفعاليات، ركبنا الحافلات المكيفة وتوجهنا إلى العشاء.

وهنا، يا إلهي!

هذا ليس مطعمًا بقدر ما هو أشبه بقصر أحد ملوك الفرس!

الزخرفة في الخارج والداخل بالغة إلى درجة يمكن للمرء معها أن يأكل رأس أحد ملوك التاريخ سهوًا!

المكان فخم، والطعام كثير، والضيافة لا تعرف الاقتصاد.

لحم ضأن، وسمك مشوي، وأطباق كثيرة أخرى، والمشروب يقدم وفق ما يشتهيه الضيف.

لكن الحكاية لم تكن في الطعام وحده.

كانت هناك فرقة موسيقية تعزف الموسيقا الفارسية، ومطربون يغنون من الشعر الفارسي، فيتحول العشاء إلى ما يشبه احتفالًا بالذاكرة والثقافة والطرب.

وهنا شعرت أن الضيافة الطاجيكية ليست مجرد مائدة عامرة، بل طقس كامل: مكان فخم، وطعام وفير، وموسيقا، وشعر، وفن، وضيف ينبغي أن يشعر بأنه ضيف عزيز.

بلد يحاول أن يقدم صورته الجديدة

مع أن هذه الزيارة الثانية لي إلى دوشانبي، إلا أنّ ما رأيته في اليوم الأول من الزيارة الحالية لا يكفي بالطبع للحكم على حجم التحولات التي حدثت خلال ثلاث سنوات مرت على الزيارة الأولى. فهناك العديد من الأبنية والمجاميع الحكومية التي ظهر عليها البذخ الكبير في عمرانها. وهناك ظهور عدد كبير من سيارات الأجرة التي تعمل على الكهرباء وهي لم تكن موجودة إلا نادرا قبل ٣ سنوات. ثم هناك مطار جديد بكل ما تحمله كلمة جديد من معنى بدأ باستقبال الطائرات ما يعكس تزايدا واضحا في أعداد السياح. وهذا ما قاله لي أحد العاملين في أكاديمية العلوم عند سؤالي له عن حجم العمل في المطار.

لكن الرحلة، حتى في بدايتها، تترك الباب أمام المرء بشأن حجم التغيرات التي طرأت على البلاد وفي الاتجاه الأفضل كما يبدو.

نعم، إن طاجيكستان تبدو اليوم وكأنها تريد أن تقدم نفسها بصورة مختلفة: عاصمة تتوسع وتتزين، ونقل عام يتطور، وشوارع نظيفة، ومبانٍ رسمية واجتماعية ضخمة، مع تمسك واضح بالهوية الثقافية والتاريخية.

وفي الوقت نفسه، هناك بطبيعة الحال حضور طاغي للثقافة الفارسية التي يشترك فيها الطاجيك مع الفرس. وليس في الكتب والمكتبات فقط، وإنما في الموسيقا والشعر وحتى في تفاصيل المائدة.

ولعل أجمل ما في الأمر أن الثقافة هنا لا تبدو شيئًا موضوعًا في متحف، بل شيئًا حيًا يُغنّى ويُعزف ويُروى ويُقدّم إلى الضيف.
لقد كان يوما طويلًا جدًا، لكنه كان غنيًا بالتفاصيل.

بدأ عند الثالثة والنصف صباحًا، وانتهى بعد ساعات طويلة بين القاعات الرسمية، والباحثين، والمكتبة الوطنية، وشوارع دوشنبه، والمطاعم الفخمة، والموسيقا الفارسية.

وإذا كان الانطباع الأول لا يكفي للحكم على بلد، فإنه يكفي بالتأكيد لأن تقول لنفسك:
طاجيكستان بلاد يجهلها الكثير من العرب ولكنها تستحق أن نكتشفها وأن نتعرف على تجربتها في الخروج من تجربة الحرب الأهلية الدامية التي استمرت خمس سنوات في بداية التسعينات من القرن العشرين. ولا مانع من الإطلاع على مسيرة المصالحة والوحدة الوطنية. ومن ثم النهوض والسير نحو بلد آمن ومستقر ويحقق تنمية جيدة باعتراف مختلف المنظمات الدولية.

 

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجلس الثقافة في طرطوس يستعيد تجربة بشار بن برد: حين تحولت الأذن إلى نافذة للحب والشعر

      استعاد مجلس الثقافة في طرطوس تجربة الشاعر بشار بن برد، خلال جلسته لهذا الأسبوع، في لقاء أدبي أدارته الدكتورة فاديا سليمان، وتناول ...