آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » سوريا… حين تُمسك بفرصتها الأخيرة لتولد من جديد

سوريا… حين تُمسك بفرصتها الأخيرة لتولد من جديد

 

بقلم: جمعان علي العمير

 

سوريا تقف اليوم أمام لحظة ليست عابرة، وليست من تلك الفرص التي تمنحها الجغرافيا أو المصادفات، بل من اللحظات التي تُصنع بالوعي، وبالإرادة، وبإيمان الناس بأن الأوطان يمكن أن تُشفى مهما اشتدّ عليها الألم. إنها فرصة لا تتكرر، فرصة أن تُعيد بناء نفسها كدولةٍ حديثة، وأن تُحوّل جراحها إلى قوة، وأن تُعيد صياغة علاقتها بمواطنيها على أساس الكرامة والعدالة، لا على أساس الخوف أو الحاجة أو النجاة.

 

هذه المهمة ليست مهمة حكومة فقط، ولا مهمة مؤسسة واحدة، بل مهمة مجتمعٍ كامل. مهمة الذين حملوا الذاكرة، والذين حملوا السلاح، والذين حملوا الألم، والذين حملوا الأمل. مهمة المثقفين الذين يعرفون أن الكلمة يمكن أن تكون حجرًا في بناء الدولة، ومهمة القبائل التي كانت دائمًا صمّام الأمان الاجتماعي، ومهمة الشباب الذين يشبهون المستقبل أكثر مما يشبهون الماضي، ومهمة النساء اللواتي أثبتن أنهن قادرات على حمل البيت والوطن معًا، ومهمة الناجين الذين خرجوا من النار ولم يفقدوا إنسانيتهم، ومهمة المهجّرين الذين ينتظرون أن يعودوا إلى بيوتهم، ومهمة العائدين الذين يريدون أن يبدأوا من الصفر دون خوف.

 

سوريا اليوم ليست دولة تبحث عن ترميم جدرانها فقط، بل دولة تبحث عن ترميم علاقتها بنفسها. تبحث عن عقدٍ اجتماعي جديد، عن دولةٍ تُعامل مواطنيها كقيمة لا كرقم، كأصحاب حق لا كأصحاب طلب، كشركاء لا كأتباع. دولةٌ تُعيد الاعتبار للعدالة، وتُعيد الهيبة للقانون، وتُعيد الثقة للمواطن الذي تعب من الوعود، لكنه لم يتعب من حبّ وطنه.

 

إن إعادة بناء سوريا ليست مشروعًا عمرانيًا، بل مشروعًا أخلاقيًا قبل كل شيء. مشروعٌ يبدأ من احترام الإنسان، من حماية كرامته، من الاعتراف بألمه، ومن فتح الباب أمامه ليكون جزءًا من القرار، لا مجرد متلقٍّ له. مشروعٌ يقول إن الدولة ليست سلطة فقط، بل مسؤولية، وإن الوطن ليس حدودًا فقط، بل علاقة بين الناس.

 

ولأن الفرص الكبرى لا تنتظر المترددين، فإن سوريا اليوم مطالبة بأن تمشي نحو مستقبلها بثبات، وأن تُعيد ترتيب بيتها الداخلي، وأن تُصالح أبناءها، وأن تُعيد بناء مؤسساتها على أساس النزاهة والكفاءة، وأن تُعلن أن زمن الفوضى انتهى، وأن زمن الدولة بدأ.

 

هذه اللحظة ليست مجرد عنوان سياسي، بل نداءٌ لكل سوري:

 

أن يكون جزءًا من البناء، جزءًا من الإصلاح، جزءًا من المصالحة، جزءًا من ولادة وطنٍ يستحق أن يولد من جديد.

 

وإذا أحسنت سوريا الإمساك بهذه الفرصة، فإن التاريخ سيكتب أن شعبًا جريحًا استطاع أن ينهض، وأن دولةً مُنهكة استطاعت أن تستعيد نفسها، وأن وطنًا كاد أن يضيع… عاد أقوى مما كان

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عصير ثلج الزبداني ونبع بردى! حكاية فندق اسمه سميراميس وكيف سقطت لافتاته

    بقلم: المهندس محمود محمد صقر   هناك عبثٌ لا يُضحكك لأنه مضحك، بل لأنه أطول من أن يُحكم بالعقل، كأن التاريخ قرر أن ...