هيثم يحيى محمد
في ريف طرطوس، تبرز قرية رأس الكتان بتجربة تستحق أن تُروى، ليس لأنها قرية خالية من التحديات أو الاختلافات، وإنما لأن أهلها استطاعوا أن يجعلوا من التعاون والعمل التطوعي وحب المكان قواسم مشتركة تجمعهم، وأن يحولوا هذه الروح إلى أعمال ملموسة تخدم القرية وأهلها.
لقد تناولت وسائل إعلام سورية تجربة رأس الكتان في أكثر من مناسبة، وتوقفت عند ما يميزها من اهتمام بالنظافة والبيئة وحماية الغابات وروح المبادرة المجتمعية. كما استضافت القرية فعاليات بيئية، من بينها احتفالية مركزية بمناسبة يوم البيئة الوطني.
لكن قيمة التجربة لا تكمن في الاحتفال بها، وإنما في التفاصيل اليومية التي صنعها أهل القرية بأنفسهم.
عندما تصبح النظافة مسؤولية الجميع
في رأس الكتان، لم ينتظر الأهالي دائمًا أن تأتي جهة ما لتنظيف قريتهم أو معالجة مشكلاتها البيئية، بل بادروا إلى القيام بأعمال النظافة والعناية بالمكان، انطلاقًا من قناعة بسيطة: من يعيش في القرية هو الأقدر على الحفاظ عليها.
وهذه الفكرة، على بساطتها، يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في أي مجتمع؛ فحين يشعر الإنسان أن الشارع أمام منزله، والغابة القريبة منه، والطريق الذي يسلكه، والمكان الذي يعيش فيه، كلها جزء من مسؤوليته، يتحول العمل العام من مهمة تقع على عاتق الآخرين إلى سلوك يومي يشارك فيه الجميع.
من النفايات إلى السماد
ومن المبادرات اللافتة التي شهدتها القرية تجربة إعادة تدوير النفايات العضوية، بمشاركة سيدات من رأس الكتان.
فبدل أن تنتهي بقايا الطعام وقشور الخضار والفواكه وأوراق النباتات في مكبات النفايات، جرى جمعها والاستفادة منها في إنتاج السماد العضوي الذي يمكن استخدامه في الزراعة.
قد تبدو الفكرة صغيرة، لكنها في الحقيقة تحمل مفهومًا كبيرًا: حتى النفايات يمكن تحويلها إلى مورد إذا امتلك المجتمع الإرادة والمعرفة.
والأهم أن هذه المبادرة قدمت نموذجًا لدور المرأة في العمل التطوعي والبيئي، وأثبتت أن خدمة المجتمع ليست مرتبطة بعمر أو مهنة أو إمكانات مادية كبيرة.
حماية الغابة… مسؤولية لا تقل عن حماية البيت
ومن أبرز ما يميز تجربة رأس الكتان ارتباط أهلها ببيئتهم وغاباتهم.
فقد برزت مبادرات أهلية لحماية الأشجار ومنع التعديات على الغابة، إلى جانب جهود شبابية لمراقبة المنطقة والحد من الصيد والاحتطاب، في تأكيد واضح أن حماية الطبيعة ليست مسؤولية المؤسسات وحدها.
وهنا تظهر قيمة أخرى في تجربة القرية: عندما يدرك السكان أن الغابة ليست مجرد أشجار، وإنما جزء من هوية المكان وثروته ومستقبل أبنائه، يصبح الدفاع عنها مسؤولية جماعية.
طريق القرية… حين تتحدث الأيدي بدلًا من الانتظار
ومن صور التعاون التي تستحق الإشارة أيضًا مشاركة أبناء القرية في أعمال خدمية تتعلق بالطرق الزراعية، وإجراء أعمال التعزيل والإصلاح بما يخدم المزارعين وأصحاب الأراضي.
هذه المبادرات قد لا تبدو كبيرة إذا قورنت بالمشروعات العامة الكبرى، لكنها بالنسبة لأهالي القرية تعني الكثير؛ لأنها تعالج حاجة حقيقية، وتجمع الناس حول هدف واحد، وتؤكد أن العمل الجماعي قادر على إنجاز ما قد يبدو صعبًا عندما ينتظر الجميع جهة أخرى للقيام به.
والأهم… أن يبقى أهل القرية أهلًا
لكن ربما تكون القيمة الأهم في تجربة رأس الكتان أبعد من النظافة والبيئة والطرق.
إنها ثقافة التفاهم.
فلا توجد قرية أو مجتمع يخلو من الاختلاف في الرأي أو وجهات النظر أو المصالح. وهذا أمر طبيعي. لكن المجتمعات القوية هي التي تعرف كيف تختلف دون أن تتفرق، وكيف تتجاوز الخلاف عندما تكون مصلحة الجميع على المحك.
وهذا ما يجعل تجربة رأس الكتان جديرة بالاهتمام؛ فالتطوع لا ينجح في مجتمع ممزق، والعمل الجماعي يحتاج إلى حد أدنى من الثقة، وحماية البيئة تحتاج إلى اتفاق، وخدمة الناس تحتاج إلى أن يشعر كل فرد بأن الآخر شريك له وليس خصمًا دائمًا.
رأس الكتان… نموذج نتمنى أن يتكرر
لسنا بحاجة إلى أن تكون كل القرى نسخة عن رأس الكتان، فلكل قرية ظروفها وإمكاناتها وخصوصيتها.
لكننا بحاجة إلى أن تنتقل الفكرة.
أن تتشكل في كل قرية مجموعة من أبنائها تهتم بالنظافة.
وأن يبادر الشباب إلى حماية الغابات والأراضي الزراعية.
وأن تشارك النساء في المبادرات البيئية والاجتماعية.
وأن يتعاون أصحاب الخبرة مع بقية الأهالي.
وأن تُحل الخلافات بالحوار، وألا تسمح لأي خلاف بأن يتحول إلى خصومة دائمة.
وأن يدرك الجميع أن القرية لا يمكن أن تتقدم إذا ظل كل فرد ينتظر الآخر.
إن تجربة رأس الكتان تقول إن التغيير لا يحتاج دائمًا إلى إمكانات ضخمة، وإنما يحتاج أولًا إلى أناس يؤمنون بأن المكان الذي يعيشون فيه يستحق أن يفعلوا شيئًا من أجله.
وربما تكون الرسالة الأجمل التي يمكن أن نخرج بها من هذه التجربة:
إذا استطاع أهل قرية أن يتعاونوا على الخير، ويحافظوا على بيئتهم، ويساعدوا بعضهم بعضًا، ويتجاوزوا خلافاتهم، فلماذا لا تصبح هذه الروح ثقافة في كل قرى سورية؟
رأس الكتان ليست مجرد قرية تستحق الإشادة.
إنها فكرة.
والأجمل أن تنتقل هذه الفكرة من قرية إلى أخرى، حتى تصبح كل قرية سورية مساحة للعمل والتعاون والمحبة، ويصبح أهلها شركاء حقيقيين في بناء المكان الذي ينتمون إليه




(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

