آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » سورية الجديدة بحاجة إلى ثورة قانونية 

سورية الجديدة بحاجة إلى ثورة قانونية 

 

بقلم:القاضي المتقاعد حسين حمادة مدير المركز السوري للدراسات القانونية

 

من أجل دولة القانون… لا يكفي أن تتغير السلطة، بل يجب أن تتغير المنظومة القانونية التي تحكم الدولة والمجتمع

 

إن بناء سورية الجديدة لا يقتصر على تغيير السلطة أو الأشخاص الذين يتولون إدارة الدولة، وإنما يقتضي أيضاً معالجة المنظومة القانونية التي نظمت مؤسسات الدولة وحكمت المجتمع لعقود، وإعادة بنائها على أسس وطنية ودستورية وقانونية حديثة، تؤسس لدولة القانون والمواطنة والعدالة.

 

فالقانون هو الإطار الذي تُمارس الدولة من خلاله سلطتها، ومن خلاله تُحمى حقوق المواطنين وحرياتهم وملكياتهم وكرامتهم. ولذلك فإن بقاء قوانين نشأت في ظروف سياسية أو أمنية أو اقتصادية مختلفة، أو استمرار آثار تشريعية تتعارض مع مبادئ الدولة الوطنية وحقوق المواطنين، يعني عملياً بقاء جزء من الماضي داخل الدولة الجديدة.

 

وقد نص الإعلان الدستوري لعام 2025 على أن مجلس الشعب يتولى السلطة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية، ومنحه، من بين اختصاصاته، اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل القوانين النافذة أو إلغائها.

 

ولست هنا بصدد مناقشة الآلية التي تم من خلالها تشكيل مجلس الشعب، ولا مستوى الخبرات والكفاءات القانونية والسياسية المتوافرة لدى أعضائه، فهذه مسألة أخرى يمكن مناقشتها في سياق مستقل.

 

(( إنما أتحدث عن المهمة التشريعية التي أصبحت أمام المجلس بحكم موقعه واختصاصه ))

 

اي كيف يمكن أن ننتقل من منظومة قانونية تراكمت خلال عقود إلى منظومة قانونية تليق بسورية الجديدة؟

وأعتقد أن البداية الصحيحة يمكن أن تكون واضحة وبسيطة، وأن تسير وفق مسارات عملية، من أهمها:

 

أولاً: إعلان خطة تشريعية وطنية

من الضروري أن يعلن مجلس الشعب للرأي العام خطة تشريعية واضحة للمرحلة الانتقالية، تتضمن القوانين والتشريعات التي يرى المجلس أن الأولوية تقتضي مراجعتها أو تعديلها أو إلغاءها، إضافة إلى القوانين الجديدة التي ينبغي إصدارها لمعالجة احتياجات الدولة والمجتمع.

وينبغي أن تتضمن هذه الخطة:

1 – أجندة تشريعية وطنية معلنة، مرتبة وفق الأولويات والحاجة الفعلية إلى الإصلاح.

2 – تحديد القوانين والمواد المراد مراجعتها، مع بيان أسباب التعديل أو الإلغاء أو الاستبدال.

3 – برنامجاً تنفيذياً واضحاً يحدد مراحل العمل والمدة الزمنية التقريبية لإنجاز كل مشروع.

4 – إتاحة الخطة للرأي العام حتى يعرف المواطن ما الذي يعمل عليه المجلس، وما هي الأولويات التشريعية التي يتبناها.

فالتشريع في دولة القانون لا ينبغي أن يكون عملاً موسمياً أو رد فعل على حدث سياسي أو اجتماعي، وإنما يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الدولة.

 

ثانياً: فتح النقاش التشريعي أمام أصحاب الخبرة والاختصاص

بعد إعلان الخطة التشريعية، ينبغي أن يفتح مجلس الشعب المجال أمام نقاش علمي ومنظم حول مشروعات القوانين التي يعتزم العمل عليها

ويمكن للمجلس، لهذه الغاية، إنشاء برامج أو منصات متخصصة للاستماع إلى آراء القضاة والمحامين وأساتذة القانون والاقتصاد والإدارة والخبراء وأصحاب الاختصاص، إلى جانب ممثلي القطاعات والفئات التي ستتأثر مباشرة بالتشريعات المقترحة.

ثم تتولى اللجان المختصة في المجلس دراسة هذه الآراء والمقترحات، والاستفادة منها عند إعداد مشروعات القوانين ومناقشتها.

وبذلك لا يبقى مجلس الشعب مجرد مكان للتصويت على نصوص جاهزة، وإنما يتحول إلى مؤسسة وطنية لصناعة التشريع، تقوم مهمتها على الدراسة والبحث والاستماع إلى أهل الاختصاص والمجتمع قبل إصدار القانون.

فكلما اتسعت دائرة المعرفة والخبرة التي يستند إليها التشريع، أصبح النص القانوني أكثر قدرة على معالجة المشكلة التي وضع من أجلها، وأقل عرضة لإنتاج مشكلات جديدة.

 

ثالثاً: مراجعة التشريعات التي تمس حقوق المواطنين

نحن نؤيد القرار الأخير للمجلس حول إلغاء الآثار المترتبة عن قرارات محكمة الإرهاب ونعتبره خطوة جادة تهدف إلى إلغاء أو تعديل التشريعات التي تتعارض مع مبادئ الدولة الجديدة وحقوق المواطنين.

#لكن في الوقت نفسه، ينبغي التنبيه إلى أن هناك تشريعات أخرى لا تقل أهمية وخطورة في آثارها على المواطنين، ومنها، على سبيل المثال، التشريعات المتعلقة بالتنظيم العقاري والاستملاك، وما ترتب عليها من آثار تمس الملكية الخاصة وحقوق أصحاب العقارات.

وهذه التشريعات وغيرها تحتاج إلى مراجعة قانونية هادئة وعميقة، لا تقتصر على نص القانون وحده، وإنما تبحث أيضاً في آثاره العملية وما ترتب عليه من أوضاع وحقوق ومراكز قانونية.

 

وأخيراً…

 

إن سورية الجديدة لا تحتاج فقط إلى قوانين جديدة، وإنما تحتاج إلى ثقافة تشريعية جديدة.

نريد تشريعاً يقوم على الدراسة لا الارتجال، وعلى الخبرة لا الانطباع، وعلى النقاش لا الإملاء، وعلى الشفافية لا الغموض، وعلى حماية حقوق المواطنين لا المساس بها.

كما ينبغي أن تكون مراجعة القوانين بعيدة عن الانفعال السياسي، وبعيدة في الوقت نفسه عن الرغبة في الانتقام من الماضي.

فالغاية ليست الانتقام من قوانين المرحلة السابقة لمجرد أنها تنتمي إلى الماضي، وإنما تنقية المنظومة القانونية مما يتعارض مع دولة القانون والمواطنة والعدالة، والإبقاء على ما يمكن أن يستمر بعد إخضاعه للمراجعة والتقييم.

ولذلك فإن سورية الجديدة بحاجة إلى ثورة قانونية حقيقية؛ ثورة تعيد للقانون وظيفته الطبيعية، وتجعل منه أداة لحماية الدولة والمجتمع والإنسان، لا وسيلة للسلطة على المجتمع.

فلا دولة جديدة بقوانين قديمة تُنتج العقلية القديمة، ولا دولة قانون من دون منظومة قانونية تليق بها.

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزارة النقل تبحث مع وفد البنك الدولي التحضيرات الفنية لمشاريع السكك والربط الإقليمي

  بحث معاون وزير النقل الأستاذ محمد رحّال، خلال اجتماع مع البعثة الفنية للبنك الدولي، آليات استكمال الدراسات والإجراءات المتعلقة بمراحل التحضير الفني لمشروع إعادة ...