اعداد:غنى سليمان عباس
كثيرًا ما نتعرض في حياتنا لمواقف مؤلمة، وما ينجم عنها من مشاعر كالخوف والغضب والحزن. وقد تترك هذه المشاعر في داخلنا آثارًا وعقبات نفسية تعيق سلامنا الداخلي، وتجعلنا أسرى لأحداث انتهت، لكنها ظلت حاضرة في أعماقنا.
يتحدث كتاب “السماح بالرحيل: الطريق نحو التسليم” للكاتب ديفيد هاوكينز عن آلية عملية وبسيطة للتعامل مع المشاعر السلبية التي قد تعيق السعادة والسلام الداخلي. ويطرح الكتاب رؤية مختلفة في التعامل مع الألم النفسي؛ فبدلًا من الهروب من المشاعر أو مقاومتها أو محاولة دفنها، يدعو الإنسان إلى مواجهتها بوعي، والسماح لها بأن تأخذ مساحتها، ثم تركها ترحل.
فالإنسان، في كثير من الأحيان، لا يعاني فقط بسبب ما حدث له، وإنما بسبب الطريقة التي يتمسك بها بما حدث. قد تنتهي المشكلة، لكن الغضب يبقى، وقد ينتهي الموقف، لكن الخوف يستمر، ويرحل الأشخاص، بينما تبقى الذكريات والمشاعر المرتبطة بهم حاضرة في تفاصيل حياتنا.
ومن هنا تأتي فكرة السماح بالرحيل. فهي لا تعني تجاهل الألم أو إنكار المشاعر، ولا تعني أن نتظاهر بأن ما حدث لم يؤلمنا، وإنما أن نعترف بما نشعر به، دون أن نسمح لهذه المشاعر بأن تتحول إلى جزء دائم من حياتنا.
ويشير الكتاب إلى أن مقاومة المشاعر قد تجعلها أكثر حضورًا. فعندما نحاول بشدة ألا نحزن، قد نزداد حزنًا، وعندما نحاول قمع الغضب، قد يبقى بداخلنا فترة أطول. أما عندما نسمح لأنفسنا بأن نشعر بمشاعرنا دون إصدار أحكام عليها أو الهروب منها، فإننا نبدأ تدريجيًا في فك ارتباطنا بها.
ويأخذنا الكتاب في رحلة داخلية لفهم مشاعر متعددة، مثل الخوف والغضب والحزن والذنب والقلق والرغبة والتعلق، ويوضح كيف يمكن لهذه المشاعر أن تؤثر في قراراتنا وعلاقاتنا ونظرتنا إلى أنفسنا. فالخوف قد يجعلنا نتجنب ما نريده، والغضب قد يجعلنا أسرى لموقف مضى، والحزن قد يجعلنا نعيش في الماضي بدلًا من أن نعيش حاضرنا.
أما التسليم الذي يتحدث عنه هاوكينز، فلا يعني الاستسلام للحياة أو التخلي عن الطموح، بل يعني التخلي عن الصراع الداخلي المستمر مع ما لا نستطيع تغييره. أن ندرك أن بعض الأمور انتهت، وأن بعض الأشخاص رحلوا، وأن بعض المواقف لا يمكننا إعادة كتابتها، وأن السلام يبدأ أحيانًا عندما نتوقف عن محاولة تغيير الماضي.
فالتحرر الحقيقي لا يعني أن ننسى ما حدث، وإنما أن نتذكره دون أن يعيد الألم نفسه في كل مرة. أن نستطيع النظر إلى الماضي دون أن نعيش داخله، وأن نتقبل مشاعرنا دون أن نسمح لها بقيادة حياتنا.
ويطرح الكتاب، في جوهره، سؤالًا مهمًا: كم من طاقتنا نستهلك ونحن نحاول مقاومة شيء حدث وانتهى؟
ربما لا نستطيع اختيار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار الطريقة التي نتعامل بها مع أثره في داخلنا. وبين التمسك بالألم ومحاولة الهروب منه، يفتح الكتاب طريقًا ثالثًا: طريق الاعتراف بالمشاعر، والشعور بها، ثم تركها تمضي.
وفي النهاية، يضعنا (السماح بالرحيل) أمام حقيقة بسيطة وعميقة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نبقى أسرى له. بعض المشاعر جاءت لتُفهم، وبعضها جاءت لتُعاش، وبعضها جاءت لتُترك وترحل.
فربما لا يكون السلام الداخلي في أن تصبح حياتنا خالية من الألم، وإنما في أن نتعلم كيف نمرّ بالألم دون أن نحمله معنا إلى الأبد.
(موقع: اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

