حين وصف الشاعر أبو الطيب المتنبي عالم اللغة عثمان بن جني بقوله: “هو أعرف بشعري مني”، لم يكن مجرد مدح لغوي عابر، بل كان إقراراً بعبقرية لغوية استطاع صاحبها كشف الهندسة الداخلية والنظام الحركي الدقيق الذي يربط أجزاء اللغة العربية ببعضها، فكان المكتشف والمشرّح الأبرز لخبايا وأسرار اللسان العربي.
ضيف زاوية أمهات الكتب لهذا الأسبوع، كتاب الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني الموصلي المتوفى عام 392 هجرية، والذي تعدى كونه مرجعاً في النحو والصرف، ليكون الموسوعة الفلسفية واللسانية الأوثق التي تؤصل للتفكير اللغوي وتكشف أسرار حكمة العربية وإتقانها وتمازج خطوطها الإبداعية.
كتاب في أصول اللغة وفلسفتها
يبدأ كتاب “الخصائص” من جمع القواعد والشواهد، إلى تناول القضايا الكلية التي تقوم عليها اللغة، ويبحث في عللها ومناهج دراستها، جامعاً بين السماع والقياس والاستدلال، حيث أدرك ابن جني قيمة مشروعه العلمي، فوصف كتابه في مقدمته بأنه “من أشرف ما صُنِّف في علم العرب”، وأشار إلى ما يتيحه من “القياس والنظر”، وما يجمعه من أدلة على خصائص اللغة العربية وحكمتها وإتقانها.
ويعكس هذا التوصيف إدراك المؤلف لطبيعة العمل الذي أنجزه، والذي سعى من خلاله إلى وضع إطار ينظم النظر في قضايا اللغة، ويصل بين جزئياتها وأصولها العامة.
من الكلام والقول إلى نشأة اللغة
يفتتح ابن جني كتابه بالبحث في الفصل بين الكلام والقول، ثم ينتقل إلى ماهية اللغة والنحو، ويتناول مسألة نشأة اللغة، والمهمل والمستعمل، والعلل النحوية وتعارضها، والاطراد والشذوذ، والسماع والقياس والإجماع، فضلاً عن اختلاف اللهجات وما يصح الاحتجاج به منها.
ويمنح هذا الترتيب القارئ مدخلاً متدرجاً إلى قضايا اللغة، يبدأ بتحديد المفاهيم، ثم ينتقل إلى مناقشة الأصول والظواهر، مستنداً إلى الشواهد والتحليل والموازنة بين الآراء، كما يبرز اهتمامه بتفسير الظاهرة اللغوية، لا الاكتفاء بوصفها أو تسجيلها.
اللغة بين الإلهام والمواضعة
من المسائل التي حظيت باهتمام الباحثين في الكتاب قضية أصل اللغة ونشأتها، وهي من القضايا التي ناقشها علماء العربية والمتكلمون منذ وقت مبكر، ففي دراسة بعنوان “نظريات أصل اللغة في كتاب الخصائص وموقف ابن جني منها”، نشرها الباحث المصري إيهاب حمادة في مجلة جامعة المعارف، العدد الثالث لعام 2021، خلصت إلى أن تصور ابن جني لا يحصر نشأة اللغة في مسار واحد، إذ يرجح أن يكون أصلها إلهاماً إلهياً أو تعليماً، ثم تطورت بالمواضعة بين الناس وفق حاجاتهم، مع احتمال أن تكون المحاكاة قد أسهمت في نشأة بعض الألفاظ في مرحلة لاحقة.
وتبرز أهمية هذه المسألة في أنها تكشف عن تداخل البحث اللغوي عند ابن جني مع الأسئلة الفكرية والفلسفية في عصره، مع توظيفها لبناء تصور نظري عن اللغة وأصولها ونشأتها.
عناوين الأبواب.. دقة في الصياغة والتأليف
امتدت القراءات المعاصرة للكتاب من موضوعاته اللغوية، إلى طريقة بنائه وعناوين أبوابه، ففي مقال بعنوان “كتاب الخصائص لابن جني.. وقفات مع عناوين أبوابه”، نشره الدكتور المصري عصام فاروق في شبكة الألوكة بتاريخ 13 آب 2026، توقف عند عنوان الباب الأول: “هذا باب القول على الفصل بين الكلام والقول”، مبيناً أن صياغته تتضمن اختياراً دقيقاً للألفاظ وترتيبها.
ويرى فاروق أن استعمال كلمة “الفصل” بدلاً من “الفرق” يوحي بقصد التمييز الدقيق بين المصطلحين، ورفع ما قد يقع بينهما من اشتباه، كما يلفت إلى ما يحمله ترتيب ألفاظ العنوان من انسجام في الإيقاع، مقدماً بذلك قراءة لأسلوب ابن جني في صياغة عناوين أبوابه، باعتبارها جزءاً من بنائه الفكري والتأليفي.
الصوت والدلالة في رؤية ابن جني
من الجوانب التي تكشف اتساع مباحث “الخصائص” عنايته بالعلاقة بين الأصوات والمعاني، وقد تحدث الدكتور الجزائري بوزيد ساسي هادف عن هذه القضية في دراسة “الدلالة الصوتية في كتاب الخصائص – دراسة على ضوء علم اللسانيات الحديثة”، المنشورة في العدد الثالث لعام 2009، عن مديرية النشر الجامعي بجامعة قالمة الجزائرية.
وتبحث هذه الدراسة في اهتمام ابن جني بالدلالة الصوتية، وما طرحه بشأن العلاقة بين الصوت والمعنى، مستعرضةً معالجته لأثر الحروف والحركات والنبر والتنغيم في الدلالة، كما توضح أن مباحث الكتاب تشمل مستويات صوتية ودلالية تشكل معاً نظام اللغة ووظيفتها.
عالم العربية في القرن الرابع الهجري
هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، أحد أبرز علماء اللغة والنحو في القرن الرابع الهجري، توفي سنة 392هـ/1002م، ونشأ في الموصل، واتصل بأبي علي الفارسي، ولازمه وأخذ عنه، حتى غدا من أبرز تلامذته، ثم ذاع صيته في علوم العربية، وارتبط اسمه بالشاعر أبي الطيب المتنبي، فكان ابن جني أول وأهم شارح لديوان المتنبي في تاريخ الأدب العربي.
وكان ابن جني بصري المذهب في النحو، مع انفتاحه على آراء علماء المدارس الأخرى، ومناقشتها والترجيح بينها بالحجة، وترك مؤلفات في النحو والصرف واللغة، من أبرزها سر صناعة الإعراب والمحتسب واللمع في العربية، إضافة لكتاب “الخصائص” الذي لا يزال يمثل ركيزة معرفية حية وأداة بحثية لا غنى عنها لدارسي الأدب العربي اليوم، وتحول إلى جسر يربط بين فقه اللغة القديم وأحدث نظريات اللسانيات العالمية الحديثة.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
