آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » حارسة الريح الشرقية: قرية “الجعفريات” حيث يعبق عطر الزيزفون وتروي “عين عاقل” حكاية الأرض والأصالة

حارسة الريح الشرقية: قرية “الجعفريات” حيث يعبق عطر الزيزفون وتروي “عين عاقل” حكاية الأرض والأصالة

بقلم:علي نفنوف

 

 

هنالك عند اسوار الورد الجوري وبيارات الليمون واليوسفي.. هنالك على تخوم ساقيه النعنع الازرق
وفي زاوية فريدة من الجغرافيا السورية، حيث تتداخل الحدود وترسم الطبيعة لوحة من الخصوبة والجمال، تربض قرية الجعفريات كشاهد حي على عراقة الأرض وجمالها وأصالة الإنسان. هذه القرية التابعة إدارياً لمنطقة تلكلخ في ريف حمص الغربي، ليست مجرد نقطة على الخارطة.. هي عقدة وصل استراتيجية، وواحة مائية، ومخزن للذكريات والتراث الشاهد على تجذر أهلها في طينها الحريّ.
****
حارسة الريح الشرقية

تكتسب الجعفريات هوية مناخية وجغرافية استثنائية من وقوعها مباشرة في قلب “فتحة حمص” الشهيرة. هذا الموقع الجغرافي الفريد جعل من الرياح الشرقية سمة بارزة وحاضرة دائماً في يومياتها، وكأن هذه القرية الوادعة قد نُصِّبت منذ الأزل لتكون “حارسة الريح الشرقية”، تستقبل لفحاتها وتمررها عبر حقولها الشاسعة وسهولها الممتدة.

***
بوابة المحافظات وعقدة الحدود

إلى جانب هوائها وعصف رياحها، تبرز الأهمية الاستراتيجية للجعفريات من موقعها الذي يربط بين ثلاث جبهات؛ فهي نقطة الوصل الحيوية التي تجمع بين ريف حمص الغربي، ومحافظة طرطوس الساحلية، والحدود السورية اللبنانية. هذا الموقع جعل منها جسرا ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا يربط الداخل بالساحل وبالجوار اللبناني.

سر التسمية: أرض تدفق منها “الجعفر”

إذا بحثت في لغة العرب عن معنى كلمة “جعفر”، ستجد أنها تعني النهر الصغير أو النبع الممتلئ. ومن هنا جاءت تسمية “الجعفريات”، فهي أرض الينابيع والخيرات المائية المتدفقة. لطالما كانت هذه الينابيع شريان الحياة الذي يروي عطش الأرض والعباد، ومصدر الخصوبة الدائم الذي يميّز ريفها.
***
الأرض المرصعة بالصوٌان

تنبسط في الجعفريات سهول وحقول واسعة تمتاز بـ تربتها السوداء البركانية شديدة الخصوبة. لكن ما يثير الدهشة البصرية والجيولوجية في هذه التربة هو احتضانها لـ حجر الصوان الأحمر اللامع، الذي يضفي على الحقول بريقاً خاصاً يتلألأ تحت أشعة الشمس، ويمتزج بسواد الأرض ليصنع لوحة طبيعية نادرة. وبفضل هذه التربة والغنى المائي، تميزت الجعفريات بزراعة الفستق السوداني (فستق العبيد) الذي يتربع على عرش إنتاجها الزراعي.

***
“عين عاقل”: ترياق الطفولة وذاكرة الحقول

من ينسى من أبناء الجعفريات “نبع عين عاقل” القابع إلى الغرب من القرية؟ ذلك النبع الذي يختزل ذكريات الطفولة البريئة وعرق التعب في مواسم الحصاد والعمل في الحقول. فعلى الطريق الترابية الواصلة بين الجعفريات وقرية الرياف، وبعد اجتياز أرض “البصة”، وتحديداً في قطعة الأرض المعروفة باسم “الدقارة”، تفجرت هذه العين لتكون الملاذ والمورد لكل طفل وعامل أضناه العطش تحت شمس الريف الدافئة، فتشرب النفوس من مائها الزلال قبل الشفاه.
****
طاحونة القرية الأثرية: شريان أثر وفواح زيزفون

ومن الشواهد التاريخية على عراقة الجعفريات طاحونتها الأثرية؛ ورغم تهدم أجزاء منها بفعل الزمن، إلا أنها ما زالت تقف شامخة تروي حكاية الأجداد مع الأرض الحرة. كانت هذه الطاحونة تدور مدفوعة بـ مياه نبع الخليفة العذب، التي تتدفق وتصل إليها عبر قناة مائية عُرفت بين الأهالي باسم “ساقية الطاحون”. وعلى تخوم هذه الساقية، كانت تحرس المكان شجرة زيزفون عتيقة، يبث نسيم الريح الشرقية عطرها الفواح ليتوزع ويعبق في أرجاء القرية كلها، تاركا بصمة بصرية وعطرية لا تُمحى من الذاكرة.
****
مقام الشيخ عيسى: ملاذ الواجب واللحمة الاجتماعية

تتجلى الهوية الحقيقية للجعفريات في أوقات الملمات؛ فإذا حلّت بالقرية مصيبة أو توفي أحد أبنائها، لا تحتاج القرية لمنادٍ، بل يسارع الجميع—كباراً وصغاراً، شيوخاً ونساءً وأطفالاً—دون استثناء لتأدية الواجب. وفي مشهد مهيب يعكس قمة التلاحم والمروءة، يجتمع أهالي القرية جنوباً عند مقام الشيخ عيسى، الذي يتربع على تلة وادعة بالقرب من قرية الرياف. هناك، تلتقي القلوب قبل الأجساد، متقاسمين الحزن والمواساة، ومؤكدين أن القرية جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالوفاء والمساندة.
خاتمة:
إن قرية الجعفريات هي النموذج الحي للقرية السورية التي تجمع بين سحر الطبيعة وعقدة التاريخ وأصالة المجتمع. هي المكان الذي تروي فيه ساقية الطاحون وعين عاقل حكاية الأمس، ويفوح فيه الزيزفون بطيب الحاضر، وتظل فيه “حارسة الريح الشرقية” شاهدة على شعبٍ صاغ من طين أرضه أسمى معاني الشهامة والوفاء.

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القيمرية.. رحلة في تراث دمشق ونكهاتها

  يمتد حي القيمرية في دمشق القديمة بين الجامع الأموي غرباً وباب توما شرقاً، ‏محتفظاً بملامح بيوته العريقة، وحاراته الضيقة المتشابكة، فيما تضفي مطاعمه ‏ومحاله ...