بقلم:محمد الخطيب
لم تنجح أيّ دعوةٍ لخصخصة القطاع العام، على مدى عشرات السنين، رغم تعاقب الحكومات وسعى بعضها – على الأقل نظريًا – إلى إصلاح هذا القطاع. لكن تلك الجهود لم تفلح أيضاً في إيصال القطاع العام، ولا سيما الصناعي منه، إلى برّ الأمان؛ وكأننا أمام مريضٍ تتغيَّر وصفاته، بينما المرض باقٍ ويزداد ثقةً بنفسه!
في المقابل، واصلت مؤسسات القطاع العام الخدمي أداء دورٍ مقبول، يحقق الحد الأدنى من احتياجات المواطنين، وفق الإمكانات المتاحة، وهذا ما لمسناه في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والبلديات وسواها، رغم الظروف المحلية والخارجية التي لا ترحم.
أما القطاع العام الصناعي، فله رواية مختلفة: لم يفلح يومًا – إلا في حالات نادرة – في تحقيق أهدافه وخططه الإنتاجية، باستثناء عدد محدود من الشركات التي نجت بفضل نزاهة إداراتها ،أو ربما بفضل “الصدفة الإدارية السعيدة”!
وكانت المؤتمرات العمالية السنوية حافلة بالمطالب المتكررة والوعود الحكومية التي لا تقلّ تكرارًا عنها. وعند انتقاد استمرار خسائر بعض الشركات، وطرح خيار خصخصتها، كان الردّ الجاهز:
“ليست المصانع للربح فحسب، بل لإيجاد فرص عمل لآلاف العمال.”
جميل جدًا.. لكن السؤال الذي يبدو بريئًا حدّ السذاجة: أيّ نظامٍ اقتصادي في العالم يكتفي بالخسارة بوصفها خطة تشغيل؟! ولماذا لا نجمع – من باب الترف الفكري – بين الربح وتوفير فرص العمل معًا؟
إما قطاع عام مجاني.. أو لا شيء!:
في تصريحٍ لافت، دعا الدكتور مازن ديروان، رئيس اتحاد غرف الصناعة ومستشار وزير الاقتصاد، إلى أن تتخلى الدولة بالكامل عن دورها في إدارة القطاع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن القطاع العام يواصل نزيف الخسائر بلا حدود، وتحت شعارات لم تُنتج نتائج ملموسة، بينما يستطيع القطاع الخاص – كما يرى – تصحيح أخطائه بنفسه عبر إعادة الهيكلة.
ثم جاءت “الضربة القاضية” على لسان رئيس هيئة الاستثمار، الذي رأى أن الدولة تمتلك 71 مشفىً حكوميًا، وتتجه إلى إعطائها للقطاع الخاص في إطار شراكة، مع التركيز – ويا للمفارقة – على العوائد لا على جودة الخدمات.
وهنا لا بدّ من تذكير سعادته بأن خصخصة القطاع الصحي كانت، لعقود طويلة، خطًا أحمر. فقد طُرح سابقًا اقتراحٌ في مجلس الشعب يقضي بأن يدفع كل مريض 25 ل.س بدل مراجعة للمشفى الحكومي، فجاء الردّ الحكومي واضحًا: “إما قطاع عام مجاني.. أولا شيْ!”
إنّ ما يُؤخذ على هذه التصريحات أنها تتناول قضايا مصيرية تمسّ حياة المواطنين، من دون إدراك أن مثل هذه الملفات تحتاج إلى توافقٍ بين السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية، فضلًا عن القبول الشعبي، لا إلى “تصريح عابر” يُطلق أحياناً من غير المعنيين بذلك، في لحظة حماسٍ إعلامي!
أما الحديث عن الخصخصة بوصفها حلاً سحرياً، فهو أقرب إلى مغامرةٍ غير محسوبة العواقب، في بلدٍ يفتقر- حتى الآن – إلى البنية التشريعية والمؤسسية والبشرية والفنية اللازمة لضبط هذا التحول.
والنتيجة المتوقعة، في ظل غياب الضمانات والرقابة، قد لا تكون إصلاحًا اقتصاديًا، بل إعادة توزيع “الكعكة” على قلةٍ من “الحيتان” التي تنتظر الفرصة للانقضاض، بالشراكة مع بعض المتنفذين و”الشركاء الصوريين”.
ولمن يشكّ، فالأمثلة ليست بعيدة: (المستوردون الحصريون، ومتعهدّو الكهرباء، وتجار المحروقات…)
وكلها تقدم نموذجًا عمليًا لكيف يمكن أن تتحول “الخصخصة” من إصلاحٍ اقتصادي إلى خصخصةٍ للنفوذ!
ونعتقد أن قيادة الدولة لاتريد ذلك ولن تسمح به
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
