بقلم :جمعان علي العمير
ليس من الإنصاف أن نطالب شعباً عاش أكثر من نصف قرن تحت سلطة سياسية واحدة أن يغيّر طريقة تفكيره بين ليلة وضحاها. فالأوطان لا تتغير بمرسوم، والعقول لا تتحرر بقرار، والثقافات السياسية التي تشكلت خلال عقود طويلة لا تزول بمجرد سقوط نظام أو تغير سلطة. وما يقارب تسعين بالمئة من أبناء المجتمع ما زالوا يحملون، بدرجات متفاوتة، آثار العقلية السياسية التي صاغتها عقود طويلة من الحكم السابق، وليس في ذلك ما يدعو إلى الاتهام أو التخوين، بل إلى الفهم والمعالجة. فمن حكم البلاد لأكثر من أربعة وخمسين عاماً لم يترك للأنفاس حريتها الكاملة، ولم يسمح بتكوين حياة سياسية طبيعية تنتج وعياً حراً ومستقلاً قادراً على ممارسة المواطنة بمعناها الحقيقي.
لقد عاش المواطن سنوات طويلة وهو يتعلم الصمت أكثر مما يتعلم المشاركة، ويتعايش مع الخوف أكثر مما يمارس حقه في المساءلة والمحاسبة. ولذلك فإن التحول السياسي الحقيقي لا يبدأ من تغيير الحكومات أو تبديل المسؤولين فقط، بل يبدأ من تحرير الإنسان نفسه من إرث الخوف، ومن ثقافة التبعية، ومن الاعتقاد بأن الدولة هي الحاكم لا الشعب، وأن الوظيفة العامة امتياز لا تكليف، وأن الولاء للأشخاص يسبق الولاء للوطن.
لكن التحدي الأكبر لا يقف عند حدود الإرث الفكري والسياسي الذي تركه الماضي، بل يمتد إلى واقع أكثر خطورة يتمثل في تراجع أداء مؤسسات الدولة وانهيار أجزاء من بنيتها الإدارية والخدمية، نتيجة عقود طويلة من سوء الإدارة وتراكم الفساد وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
لقد ورثت مرحلة التحول السياسي دولةً مثقلةً بالجراح، ومؤسسات أنهكتها البيروقراطية والمحسوبيات، وواقعاً ترسخ فيه الفساد حتى أصبح لدى البعض أشبه بعرشٍ موازٍ لسلطة القانون. لم يعد الفساد مجرد موظف مرتشٍ أو مسؤول يستغل منصبه، بل تحول في كثير من الأحيان إلى شبكة مصالح عميقة ومتداخلة استطاعت أن تتغلغل في بعض مفاصل العمل العام وتفرض نفسها كأمر واقع.
وهنا ينبغي أن يكون الخطاب الوطني واضحاً وشجاعاً.
فالمشكلة ليست في الدولة، بل فيمن اختطفوا دورها لمصالحهم. وليست في المؤسسات، بل فيمن أفسدوها وأضعفوا ثقة الناس بها. فهناك فرق جوهري بين الدولة ككيان وطني جامع يحمي المجتمع ويحفظ وحدته، وبين الفاسدين الذين اتخذوا من بعض مؤسساتها وسيلة لتحقيق مكاسبهم الخاصة.
إن أخطر خطأ يمكن أن تقع فيه المجتمعات الخارجة من الأزمات هو الخلط بين محاربة الفساد ومحاربة الدولة نفسها. فحين يغضب الناس من الفاسدين فهذا حق مشروع، أما حين يفقدون ثقتهم بالدولة كلياً فإنهم يفتحون الأبواب أمام الفوضى والانهيار. والتاريخ مليء بالدول التي أسقطت الفساد شكلياً لكنها أسقطت معها مؤسساتها، فدفعت الشعوب الثمن لعقود طويلة.
واليوم تقف البلاد أمام اختبار تاريخي لا يحتمل المجاملة ولا الشعارات الفارغة. فإعادة بناء الدولة لا تعني إعادة إنتاج الماضي، ولا تعني تجميل الأخطاء أو التغاضي عن مواطن الخلل. إعادة بناء الدولة تعني تأسيس مرحلة جديدة تقوم على الكفاءة بدلاً من المحسوبية، وعلى القانون بدلاً من النفوذ، وعلى المواطنة بدلاً من التبعية، وعلى الشفافية بدلاً من الغموض.
إن معركة المرحلة القادمة ليست معركة انتخابية أو تنافساً سياسياً عابراً، بل معركة وعي ومصير. معركة تهدف إلى اقتلاع جذور الفساد التي نمت لعقود، وإعادة الاعتبار للمؤسسات العامة، وترميم الثقة بين الدولة والمواطن، وصناعة عقد وطني جديد يشعر فيه الجميع أنهم شركاء حقيقيون في بناء المستقبل.
ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا ظل أسير عقلية الماضي. فالدول لا تُبنى بالعواطف وحدها، ولا بالشعارات وحدها، ولا بالرغبة في الانتقام من مرحلة سابقة، بل تُبنى بالإرادة السياسية، والعدالة، والمحاسبة، والعمل الجاد، والإيمان بأن الوطن أكبر من الأشخاص والتيارات والمصالح الضيقة.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن التحول السياسي ليس لحظة احتفال عابرة، بل عملية تاريخية معقدة ومؤلمة أحياناً، تتطلب الصبر والشجاعة والصدق. وأن الدولة التي يسعى الجميع إليها ليست دولة الخوف التي عرفها الناس في الماضي، ولا دولة الفوضى التي يخشاها الناس في الحاضر، بل دولة القانون والكرامة والمؤسسات والعدالة.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس إسقاط إرث الماضي فقط، بل منع عودته بأشكال جديدة. وليس كشف الفساد فحسب، بل بناء مؤسسات تمنع ولادته من جديد. فالأوطان لا تنجو عندما يتغير الحكام فقط، بل عندما يتغير الوعي، وتنتصر الدولة للقانون، ويصبح المواطن شريكاً في البناء لا مجرد متفرج على الأحداث
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
