بقلم: المهندس محمود محمد صقر
حين يصبح الجميع مدينين، لا بد أن نسأل: من الذي يجلس على الجانب الآخر من الطاولة؟
ثمة أرقام في الاقتصاد تشبه الجبال؛ نراها من بعيد فنظن أننا فهمنا حجمها، لكننا لا ندرك حقيقتها إلا حين نقترب منها.
حين نسمع أن الدين الأمريكي تجاوز 38 تريليون دولار، وأن الصين مدينة بنحو 19 تريليونًا، واليابان بنحو 10 تريليونات، نشعر وكأن العالم بأسره يعيش على دفتر حساب مفتوح.
لكن انتظر قليلًا… إذا كانت أكبر اقتصادات العالم مدينة، فمن الذي يملك كل هذه الأموال؟ ومن يُقرض مَن؟ وهل أصبح العالم مدينًا لنفسه؟
المفاجأة أن الدول لا تقترض من بعضها فقط؛ فجزء كبير من ديونها مملوك لمواطنيها وبنوكها وصناديق التقاعد وشركات التأمين والمستثمرين. فالحكومة تصدر سندات، يشتريها هؤلاء مقابل فائدة، فتتحول ديون الدولة إلى أصول مالية لدى أصحابها.
بمعنى آخر، قد تكون الدولة مدينة لمواطن يجلس في بيته مطمئنًا إلى سنداته، بينما تبحث الحكومة عن المال لتسديد فوائدها. وكل منهما ينظر إلى الآخر باعتباره صاحب حق!
من يتصدر قائمة المديونين؟
بحسب تقديرات عام 2025، وبالنظر إلى القيمة الإجمالية للدين الحكومي، تتصدر الولايات المتحدة القائمة بدين يبلغ نحو 38.3 تريليون دولار، تليها الصين بنحو 18.7 تريليونًا، ثم اليابان بنحو 9.8 تريليونات، والمملكة المتحدة بنحو 4.1 تريليونات، وفرنسا بنحو 3.9 تريليونات، وإيطاليا بنحو 3.5 تريليونات، والهند بنحو 3.4 تريليونات، وألمانيا بنحو 3.2 تريليونات، وكندا بنحو 2.6 تريليون، وأخيرًا البرازيل بنحو 2.1 تريليون دولار.
لكن الأرقام، كالبشر، لا تقول كل ما لديها من أول لقاء.
فالدين الأمريكي يعادل نحو 125% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يقترب الدين الياباني من 230% منه. ومع ذلك، لا يعني هذا أن اليابان على أبواب الإفلاس، أو أن أمريكا تستطيع النوم مطمئنة إلى الأبد.
فالفرق ليس في حجم الدين وحده، بل في قدرة الاقتصاد على خدمته، والعملة التي يقترض بها، ومن يملك سنداته، ومدى الثقة به.
الدولار… العملة التي لا تعرف الحدود
هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
الدولار ليس مجرد عملة أمريكية، بل أصبح أداة رئيسية في التجارة والاحتياطيات والاستثمارات العالمية. تحتاج إليه دول وشركات ومؤسسات مالية، وتحتفظ به البنوك المركزية، وتُسعَّر به نسبة كبيرة من تجارة النفط والسلع.
وتشتري مؤسسات ومستثمرون من أنحاء العالم سندات الخزانة الأمريكية، بحثًا عن السيولة والأمان النسبي.
وهكذا لا تقترض أمريكا من مواطنيها فقط، بل من العالم أيضًا.
أما اليابان، فتعتمد بدرجة كبيرة على سوقها المحلية، ويملك مستثمرون ومؤسسات يابانية جزءًا كبيرًا من ديون حكومتها، ومعظم هذه الديون مقوَّم بالين.
لكن لا ينبغي أن نخلط بين الثقة والخلود؛ فحتى أقوى العملات ليست محصنة من التضخم وتراجع الثقة وارتفاع تكاليف الاقتراض.
متى يصبح الدين عبئًا؟
ليس الاقتراض خطيئة اقتصادية، كما أن تسديد الديون ليس دائمًا دليل حكمة.
قد تقترض الدولة لتبني طريقًا أو محطة كهرباء أو مستشفى أو مصنعًا، فتزيد قدرتها الإنتاجية وتخلق دخلًا جديدًا يساعدها على سداد ما اقترضته.
وقد تقترض لتدفع فوائد ديون سابقة وتموّل نفقات متكررة، دون أن تضيف شيئًا إلى قدرتها على الإنتاج.
وهنا يبدأ الدوران في الحلقة نفسها: دين يسدد دينًا، وفائدة تستدعي فائدة، حتى يصبح المستقبل مدينًا للماضي.
والمشكلة لا تكمن في أن تكون الدولة مدينة، بل في أن تنفق اليوم ما لم تستطع أن تنتجه، ثم تطلب من الأجيال القادمة تسديد الفاتورة.
ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل:
إذا كان العالم كله تقريبًا مدينًا، وكانت ديون طرف تمثل أصولًا مالية لطرف آخر، فهل المشكلة في وجود الديون بحد ذاتها، أم في قدرة الاقتصادات على إنتاج الثروة التي تجعلها قابلة للسداد؟
ربما لا يكون السؤال الأهم: كم تدين الدولة؟
بل: ماذا فعلت بالأموال التي اقترضتها؟
فالدين قد يكون جسرًا تعبر عليه الدولة نحو المستقبل، وقد يكون حبلًا تربط به مستقبلها إلى أخطاء الماضي.
والفرق بين الاثنين ليس في دفتر الحسابات، بل في عقلية من يمسك بالقلم

كاتب المقال

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
