اعداد:أيمن الحرفي
بالتعاون مع “أخبار سوريا الوطن”
في ذاكرة سورية أسماء لا تنتمي إلى زمن بعينه، لأن ما قدمته تجاوز حدود السنوات، وبقي حاضراً في الكتب والقصص والشاشات والوثائق وفي وجدان من عرفوا أعمال أصحابها.
ثلاثة من هؤلاء الأعلام نقف عند سيرهم اليوم: زكريا تامر، وصلاح دهني، ومحمد قجّة.
ثلاثة مسارات مختلفة، وثلاثة حقول للمعرفة والإبداع، لكن يجمع بينها خيط واحد: الإيمان بأن الثقافة ذاكرة، وأن الإنسان يستطيع أن يترك أثراً يتجاوز عمره.
هؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء في صفحات الكتب، بل كانوا جزءاً من المشهد الثقافي السوري، كلٌّ في مجاله؛ فكان زكريا تامر صوتاً أدبياً شديد الخصوصية، وكان صلاح دهني أحد بناة الوعي السينمائي السوري، بينما كرّس محمد قجّة حياته لحفظ تاريخ حلب وتراثها وذاكرتها.
زكريا تامر
حدّاد الكلمات.. حين تتحول النار إلى حكاية

«الكلمة التي لا تقاوم القهر، تفقد شيئاً من معناها.»
ولد زكريا تامر في دمشق عام 1931، وبدأ حياته العملية حدّاداً. وبين نار الحدادة ونار التجربة، كان موعده مع الأدب؛ فترك المهنة ليصنع من اللغة أدواته، ومن القصة القصيرة فضاءً واسعاً لطرح أسئلة الإنسان والحرية والعدالة.
منذ انطلاق قصصه عام 1958، ظهر صوت أدبي مختلف. لغة مكثفة، وسخرية لاذعة، وخيال غرائبي، وواقع مرير؛ عناصر امتزجت لتصنع عالماً قصصياً خاصاً أصبح علامة بارزة في الأدب العربي الحديث.
في مجموعاته، ومنها «صهيل الجواد الأبيض» و«النمور في اليوم العاشر» و«نداء نوح»، لم تكن الحكاية مجرد سرد، بل كانت مواجهة رمزية مع الخوف والقمع والاستبداد.
كان تامر بارعاً في استخدام الرمز. الحيوان والإنسان والطائر والشجرة تتحول في نصوصه إلى علامات ودلالات؛ ومن خلال الغرابة والفانتازيا السوداء كان يقترب أكثر من الواقع، لا ليهرب منه.
وفي عالمه القصصي يصبح الضبع والطائر الأخضر والغراب والشجرة وغيرها من الرموز شخصيات تؤدي أدواراً في صراع الإنسان مع القوة والخوف، وتكشف ما قد تعجز اللغة المباشرة عن قوله.
كتب تامر للكبار والأطفال، وأسهم في الحياة الثقافية والصحفية، وكان من المشاركين في تأسيس اتحاد الكتاب في سورية، كما ترأس تحرير مجلات وصفحات أدبية في دمشق ولندن.
وترجمت أعماله إلى لغات عدة، ودرست تجربته في مؤسسات وجامعات خارج العالم العربي، ليصبح واحداً من الأصوات السورية التي عبرت الحدود، دون أن تفقد ارتباطها بالإنسان العربي وهمومه.
زكريا تامر.. كاتب استطاع أن يجعل من القصة القصيرة مساحة للتأمل والمقاومة، ومن الخيال أداة لكشف الحقيقة.
رحل الزمن عن كثير من تفاصيل حياته، لكن شخصياته ما زالت حية، وأسئلته ما زالت مفتوحة، وكلماته ما زالت تطرق أبواب الوعي.
صلاح دهني
ذاكرة السينما السورية.. الرجل الذي كتب للصورة تاريخها

لم يكتفِ بأن يصنع السينما.. أراد أن يعلّم الناس كيف يرونها.
في درعا عام 1925، ولد صلاح دهني، الذي أصبح لاحقاً واحداً من أبرز رواد الثقافة السينمائية في سورية.
بدأ دراسة الطب في فرنسا، لكنه سرعان ما اكتشف أن طريقه الحقيقي هو السينما. ترك الطب واتجه إلى شغفه، ليدرس السينما دراسة أكاديمية ويتخرج عام 1950 من معهد الدراسات السينمائية العالية في باريس، كما درس علم الفيلم في السوربون.
عاد إلى سورية حاملاً تجربة جديدة، ولم يحصر اهتمامه في الإخراج، بل عمل على بناء ثقافة سينمائية متكاملة.
عمل مخرجاً وناقداً ومحرراً سينمائياً، وتولى مواقع مهمة في وزارة الثقافة والمؤسسة العامة للسينما، كما ترأس اتحاد النقاد السينمائيين في سورية.
وكان من أوائل من أدركوا أن السينما تحتاج إلى ذاكرة مكتوبة تحفظ مراحلها وتشرح تجاربها. لذلك أصدر عام 1951 كتاب «قصة السينما»، ثم شارك رشيد جلال في تأليف «قصة السينما في سورية» عام 1963.
وتوالت أعماله ودراساته، ومنها «دعوة إلى السينما» و«سينما سينما» و«قضايا السينما والتلفزيون في العالم العربي»، كما شارك في إعداد معجم للمصطلحات السينمائية بالعربية والفرنسية والإنكليزية.
لكن دهني لم يكن سينمائياً فقط؛ فقد كتب الرواية والقصة والمسرح، ومن أعماله «ملح الأرض» و«حين تموت المدن» و«الانتقال» و«أصوات في الليل»، كما ترجم أعمالاً أدبية ومسرحية.
وفي الإخراج، قدم عام 1977 فيلمه الروائي الطويل «الأبطال يولدون مرتين»، إضافة إلى أفلام وثائقية تناولت جوانب من تاريخ سورية وآثارها وثقافتها.
ومن بصرى إلى الآثار العربية، ومن الزجاج السوري إلى زهرة الجولان وابن النفيس والفن العربي الإسلامي، ترك دهني أعمالاً وثائقية سجلت وجوهاً من سورية في زمن كانت فيه الصورة نفسها جزءاً من عملية حفظ الذاكرة.
وكان حلمه أكبر من الفيلم؛ فقد أراد أن يجعل السينما جزءاً من الثقافة العامة، وأن يفتح أمام الجمهور السوري نافذة على تاريخ الفن السابع، حتى إنه حاول في خمسينيات القرن الماضي إطلاق مهرجان سينمائي في دمشق.
رحل صلاح دهني في أبوظبي في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2017، ونقل جثمانه إلى دمشق.
رحل الرجل، لكن بقيت الصورة التي دافع عنها، والكتب التي أرّخت لها، والأجيال التي تعلمت منه أن السينما ليست شاشة فقط، بل ذاكرة ووعي وثقافة.
محمد قجّة
حارس ذاكرة حلب.. المؤرخ الذي جعل المدينة كتابه الأكبر

«حين تحفظ تاريخ مدينة، فأنت لا تحفظ حجارتها فقط.. بل تحفظ روح أهلها.»
في السابع عشر من كانون الثاني عام 1939، ولد محمد قجّة في حلب، المدينة التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان للولادة والإقامة، بل كانت مشروع حياة وكتاباً مفتوحاً ظل يقرأه ويبحث في صفحاته حتى رحيله.
نشأ في عائلة محبة للعلم والثقافة. شجعه والده على القراءة والشعر، فبدأ كتابة الشعر في سن مبكرة، ثم واصل دراسته في مدارس حلب قبل أن ينتقل إلى دمشق، حيث حصل على الإجازة في اللغة العربية من جامعة دمشق عام 1963.
بدأ حياته المهنية في التعليم، ثم تولى إدارة ثانوية المأمون في حلب، قبل أن ينتقل إلى الجزائر لنيل الماجستير في تاريخ الأندلس.
عاد إلى سورية، لكنه لم يعد كما ذهب؛ فقد اختار أن يتفرغ للتأليف والبحث والتوثيق، وأن يجعل من التاريخ والتراث مشروعاً دائماً.
وكانت حلب محوراً رئيسياً في هذا المشروع.
أكثر من عشرين كتاباً، إلى جانب عشرات المقالات والدراسات والمحاضرات، حملت اسم المدينة وتاريخها وعمارتها وثقافتها، ومن بينها «الكتاب الذهبي لتوثيق فعالية حلب عاصمة للثقافة» و«فلسفة العمارة الإسلامية: حلب نموذجاً» و«الحياة الفكرية في العصر الأيوبي» و«قلعة حلب صوت من التاريخ» و«محطات أندلسية».
ومن بين أعماله البحثية المهمة ما ارتبط بالكشف عن موقع منزل المتنبي في حلب، في واحدة من المحطات التي تعكس مدى ارتباطه بتاريخ المدينة ورموزها.
لم يكن قجّة مؤرخاً منعزلاً في مكتبه؛ بل كان حاضراً في المؤسسات الثقافية والتراثية. ترأس جمعية العاديات عام 1994، وأسهم في توسيع نشاطها وفروعها، وفي رفد مكتبتها بالكتب والوثائق والصور والمواد الأرشيفية.
وفي عام 2006 تولى منصب الأمين العام لاحتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية، وهي مناسبة ثقافية كبيرة أعادت تسليط الضوء على المكانة التاريخية للمدينة.
كما عُيّن مستشاراً لليونسكو في سورية لشؤون التراث اللامادي عام 2010، وشارك في عدد من الهيئات والمؤسسات العلمية والثقافية، وحصل على العديد من الأوسمة والدروع وشهادات التكريم.
وظل حتى سنواته الأخيرة يحمل همّ الذاكرة، ويكتب ويتحدث عن حلب، وكأنه يخشى أن تضيع التفاصيل الصغيرة التي تصنع في النهاية صورة المدينة الكبرى.
توفي محمد قجّة في حلب في 17 نيسان/أبريل 2024، عن عمر ناهز الخامسة والثمانين.
غاب المؤرخ، لكن بقيت حلب في كتبه؛ مدينةً لها تاريخ وصوت وذاكرة، وبقيت مكتبته وأبحاثه شاهدة على رجل جعل من الوفاء للمكان مشروعاً ثقافياً امتد عقوداً.
حين تصبح الثقافة وفاءً
ما يجمع زكريا تامر وصلاح دهني ومحمد قجّة ليس فقط أنهم ينتمون إلى جيل سوري ترك أثراً كبيراً، بل إن كلاً منهم اختار أن يجعل من المعرفة والإبداع وسيلة لحفظ الإنسان والذاكرة.
تامر حفظ أسئلة الإنسان في القصة، ودهني حفظ ذاكرة الصورة، وقجّة حفظ ذاكرة المكان.
ثلاثة أعلام رحلوا، لكن رحيلهم لم يغلق صفحاتهم.
فالقصة التي كتبها تامر ما زالت تُقرأ، والصورة التي دافع عنها دهني ما زالت تتحرك على الشاشة، وحلب التي أحبها قجّة ما زالت حاضرة في الكتب التي تركها.
وهكذا يبقى المبدع حياً بما يتركه خلفه، وتبقى الأمم قوية بقدرتها على تذكر الذين صنعوا جزءاً من ذاكرتها.
رحم الله زكريا تامر، وصلاح دهني، ومحمد قجّة، وكل أعلام سورية الذين رحلوا بأجسادهم، وبقيت أعمالهم وأسماؤهم في وجدان الوطن.
تكريمهم ليس استعادةً للماضي فحسب، بل هو وفاء للذاكرة، وتعريف للأجيال الجديدة بأسماء صنعت من الكلمة والصورة والتاريخ جسراً إلى المستقبل
(موقع: أخبار سوريا الوطن )
syriahomenews أخبار سورية الوطن

