آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حين تكتب الجغرافيا التاريخ ويعيد الإنسان تشكيل المكان: من خريطة الأرض إلى خريطة الذاكرة في اتحاد كتاب طرطوس

حين تكتب الجغرافيا التاريخ ويعيد الإنسان تشكيل المكان: من خريطة الأرض إلى خريطة الذاكرة في اتحاد كتاب طرطوس

بقلم: أحلام حسين غانم

 

 

ليست الجغرافيا خطوطًا على خريطة، ولا التاريخ صفحات أُغلقت في كتاب؛ فبين المكان والزمان يقف الإنسان، يترك أثره في الأرض، ثم يعود ليقرأ أثر الأرض في ذاكرته.

من هذه المساحة المضيئة بين المكان والزمان، انطلقت اليوم في فرع طرطوس لاتحاد الكتاب العرب محاضرة الدكتورة بثينة سليمان، نائب عميد كلية الآداب في جامعة طرطوس، بعنوان: “الفكر الجغرافي بين التاريخ والمعاصرة”لتفتح سؤالًا يتجاوز حدود العلم إلى فضاء الإنسان، وتعيد النظر في العلاقة المتشابكة بين الجغرافيا والتاريخ والمكان.

وتأتي هذه المحاضرة في سياق سعي الأديب منذر يحيى عيسى، رئيس فرع طرطوس لاتحاد الكتاب العرب، إلى ترسيخ الانفتاح والتشبيك الثقافي، ومدّ جسور التعاون بين الاتحاد والجامعة والمؤسسات والفعاليات الثقافية والأهلية.

وحضر اللقاء عدد من أعضاء الاتحاد والأدباء والمثقفين، إلى جانب عدد من أساتذة الجامعة والمهتمين بالشأن الثقافي، والأديب نزار غانم، رئيس الملتقى الوطني للثقافة في طرطوس، وعدد من الإعلاميين وممثلي المجتمع الأهلي.

حضورٌ يدير الحوار

أدارت الندوة الباحثة والأديبة لينا حمود بحرفية عالية، وهدوء لافت، وفكر ثاقب، فبدت إدارتها للحوار امتدادًا طبيعيًا لموضوع المحاضرة؛ إذ أحسنت تنظيم مسارات النقاش، ومنحت الأفكار مساحتها، ووازنت بين حضور المحاضِرة وتعدد الآراء التي طرحتها المداخلات.

ولم تكن إدارتها مجرد انتقال بين فقرات الندوة، بل كانت قراءة واعية لإيقاع الحوار، حافظت من خلالها على هدوء النقاش وعمقه، وفتحت المجال أمام الاختلاف ليكون عنصر إثراء، لا مصدر تباعد.

الجغرافيا… سيدة المكان

قدمت الدكتورة بثينة إضاءة واسعة على علم الجغرافيا وتحولاته، وسعت إلى إعادة ترتيب موقعه بين العلوم الإنسانية، متوقفة عند دوره في فهم المشهد العام والتنمية، وعند تطور الفكر الجغرافي وتعدد مناهجه.

وأضاءت العلاقة التكاملية بين الجغرافيا والتاريخ، معتبرةً الجغرافيا “سيدة المكان”،كما تناولت الجغرافيا العسكرية، والقوة الطبيعية، والثروات والموارد التي تختزنها الأمكنة، بوصفها من عناصر القوة التي تؤثر في حاضر الشعوب ومستقبلها.

وفي واحدة من الأفكار المحورية في المحاضرة، أكدت أن الإنسان ليس نتاجًا سلبيًا لمحيطه؛ فهو لا يعيش داخل الجغرافيا فحسب، بل يشارك في صناعتها وإعادة تشكيلها.

ومن هنا جاء القول اللافت: التاريخ يرسم الجغرافيا، لأن التاريخ يصنعه البشر، والبشر هم الذين يعيدون تشكيل المكان.

من الإنسان إلى الرقم

وانتقلت المحاضرة إلى آفاق أكثر حداثة، فتوقفت عند الجغرافيا السلوكية وتجارب الإنسان في علاقته بالمكان، وأشارت إلى الجغرافيا الإنسانية وما تتيحه من قراءة للمكان من خلال الإنسان ومشاعره وسلوكه.

كما تناولت التحول المعاصر نحو علم البيانات والجغرافيا الرقمية، حيث لم تعد الخريطة مجرد تمثيل للمكان، بل أصبحت البيانات قادرة على قراءة التحولات والتنبؤ بالمسارات المقبلة.

وهنا بدا المكان وكأنه يدخل عصرًا جديدًا:

فالتاريخ يرسم الجغرافيا رقميًا، والجغرافيا تقرأ التاريخ تنبؤيًا، ثم تعود الأرقام لتعيد تشكيل صورة المكان.

وتوقفت الدكتورة عند التحول المنهجي، ومنه نموذج كريستالر للمدن المركزية وقانون الجاذبية في الجغرافيا، مع الإشارة إلى المآخذ التي يمكن أن تنتج حين تختزل النماذج الرياضية الإنسان في أرقام وعلاقات، وتغيب خصوصيته وتجربته الإنسانية.

الجغرافيا مسرح… والتاريخ ممثل… والإنسان مخرج

في ختام المحاضرة، اختزلت الدكتورة بثينة رؤيتها في عبارة شديدة الدلالة:

“لا الجغرافيا وحدها تكتب التاريخ، ولا التاريخ وحده يكتب الجغرافيا؛ الجغرافيا هي المسرح، والتاريخ هو الممثل، والمخرج هو الإنسان”.

وكانت هذه الخلاصة بمثابة باب واسع للحوار؛ إذ اختلفت الآراء وتعددت الرؤى، فأغنى الاختلاف المحاضرة، وحوّلها من خطاب أحادي إلى مساحة حقيقية للتفكير والنقاش.

وحين يدخل الأدب إلى الخريطة…

وربما كان ثمة باب آخر يستحق أن يُفتح في هذا الحوار: باب الأدب.

فالأدب ليس بعيدًا عن الجغرافيا والتاريخ، بل هو أحد أرشيفاتهما الإنسانية الموازية.

كم من مدينة حفظتها قصيدة أكثر مما حفظتها الخرائط؟

وكم من قرية بقيت حيّة في الذاكرة لأن روائيًا منحها حياةً أخرى في السرد؟

وكم من شارع وبيت ونهر وبحر صار جزءًا من وجداننا لأن شاعرًا مرّ به وتركه لنا في اللغة؟

إن الشعر والرواية لا يقدمان المكان بوصفه إحداثيات جغرافية، بل بوصفه تجربة إنسانية؛ مكانًا للحب والحنين والفقد والذاكرة والانتماء.

ولهذا فإن قراءة المكان عبر الأدب ليست خروجًا من الجغرافيا والتاريخ، بل هي انتقال منهما من جغرافيا الأرض إلى جغرافيا الذاكرة.

فالخريطة تحدد أين يوجد المكان، والتاريخ يخبرنا ماذا حدث فيه، أما الأدب فيسأل: ماذا فعل المكان بالإنسان؟ وماذا ترك الإنسان في روح المكان؟

وربما هنا يكتمل المثلث:

الجغرافيا ترسم المكان،
والتاريخ يحفظ أثر الإنسان فيه،
والأدب يحفظ ما عجزت الخرائط والوثائق عن قوله.

وهكذا يتحول المكان من مساحة على الورق إلى ذاكرة نابضة، ومن رقم في قاعدة بيانات إلى حكاية، ومن جغرافيا صامتة إلى جغرافيا تتكلم بلغة الإنسان.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:

هل الجغرافيا تكتب التاريخ أم أن التاريخ يكتب الجغرافيا؟

بل السؤال الأعمق:

كيف يكتب الإنسان المكان، ثم كيف يعيد المكان كتابة الإنسان؟

سؤال تركته محاضرة اليوم مفتوحًا… وربما كان أجمل ما في الندوة أن بعض الأسئلة لا تبحث عن إجابة نهائية، بل تبحث عن مزيد من الحوار

 

 

(أخبار سوريا الوطن-اتحاد الكتاب العرب بطرطوس)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يسرى ديب… متى صارت المرأة حكاية؟ رحلة في تجربتها التشكيلية والتعبيرية

بقلم: علي نفنوف     لوحة جميلة قادرة على أن تبقى في الذاكرة قليلًا ثم ترحل، فالجمال قد يخطف العين للحظة، ثم يتركها تمضي، بينما ...