زينة حداد
أعادت الحرب رسم خريطة الإعلام الخليجي، كاشفةً عن هشاشة الشاشات التقليدية من «سكاي نيوز عربية» إلى MBC و«الجزيرة»، في مقابل صعود المنصات الرقمية. بين عباس ناصر ونخلة الحاج وغيرهما من الأسماء، تتسارع إعادة الهيكلة ويتحوّل المحتوى نحو السياسة، وسط أزمات مالية وقلق مهني متصاعد
أرخت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، وما رافقها من قصف طهران للدول الخليجية، بظلالها الثقيلة على الساحة الإعلامية الخليجية. بدأت انعكاسات هذه الحرب تتضح تدريجياً على الساحة الإعلامية، على أن تتبلور صورتها بشكل أعمق في المدى البعيد. فقد عجّلت الحرب في إطلاق مروحة من المنصات الخليجية الجديدة، مع تحوّل ملحوظ في محتواها من الطابع الفني والاجتماعي إلى السياسي. في المقابل، خفّ وهج الشاشات الكبيرة التي أثبتت عجزها عن مواكبة تغطية الحرب الأخيرة. ورغم أن المشهد لا يزال في طور التشكّل، نظراً إلى أن الحرب لم تنتهِ فعلياً، فإن أولى خطوات الحكّام الخليجيين تمثّلت في السعي إلى إعادة هيكلة إعلامهم، وإجراء تغييرات جذرية استعداداً لمرحلة مقبلة ستضجّ بالأزمات الاقتصادية الناتجة من حرب النفط.
اختبار الحرب
في هذا السياق، بدت الساحة الإعلامية الخليجية خاصرةً رخوة خلال الحرب الأخيرة، إذ كشف أداؤها ضعف سياساتها الإعلامية. ورغم تجنيد هذا الإعلام لمحاولة تلميع صورة الخليج، وتكريس خطاب يعتبر إيران «العدو»، فإن الفضاء الافتراضي تحوّل إلى ساحة مضادة. فقد نشطت موجات دعم لإيران على تطبيقات مثل تيك توك وإكس وإنستغرام في محاولة لتوعية الجمهور الخليجي بأنّ العدو الإسرائيلي هو أساس الحرب لا إيران التي تقف في موقف الدفاع عن نفسها. في المقابل، برزت فوضى المنصات الخليجية، في مقابل توجيه الإعلام الإيراني نحو سياسة أكثر تماسكاً، تنظر إلى الحرب بوصفها إعلاميةً بقدر ما هي عسكرية.
الإمارات: منصات جديدة وسياسات موجّهة
تستعد الساحة الإعلامية الإماراتية لسلسلة من التغييرات، من بينها إطلاق منصات جديدة على غرار منصة WHYZ التي يديرها اللبناني عباس ناصر، الذي سبق أن تولّى إطلاق «التلفزيون العربي» القطري، ثم شغل مهمات في قناة «الغد» المصرية، قبل أن ينتقل إلى المشروع الإماراتي بدعم من عقاب صقر ومحمد دحلان. وقد بدأ القائمون على WHYZ الترويج لها عبر إكس، تمهيداً لانطلاقها الرسمي في الأيام المقبلة تحت شعار «لأن كل فكرة تبدأ بسؤال». وكان المشروع قد بدأ التحضير له منذ الخريف الماضي، قبل أن يتأجل مع اندلاع الحرب، ليعود اليوم مستهدفاً جيل الشباب عبر مجموعة برامج سياسية، ومتقاطعاً مع السياسات الإماراتية المتماهية مع مسار التطبيع.
إعادة هيكلة كبرى داخل المؤسسات
في المقابل، أعلنت مجموعة IMI الإعلامية، التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، عن تعيين الإعلامي اللبناني نخلة الحاج رئيساً تنفيذياً للمجموعة. سيتولى الحاج قيادة مسار التحوّل على مستوى المجموعة، بما يشمل منصاتها الرئيسية: «سكاي نيوز عربية»، و«CNN الاقتصادية»، و«العين الإخبارية». وتمتد مسؤولياته لتشمل التوجّهات التحريرية، واستراتيجية المحتوى، وتنمية المواهب، وعمليات الإنتاج.
إطلاق منصة WHYZ التي يديرها اللبناني عباس ناصر
ويُعدّ الحاج من أبرز الإعلاميين في الخليج، إذ عمل في مؤسسات سعودية بارزة مثل «العربية»، وأطلق قبل نحو ثلاثة أعوام منصة Blinx التي حققت انتشاراً ملحوظاً لخلطها بين الفن والترفيه والرسائل السياسية، قبل أن يغادرها لاحقاً. وتشير المعطيات إلى توجه داخل «سكاي نيوز عربية» نحو تحويل غالبية المحتوى إلى الفضاء الرقمي، لمواكبة التحولات الإعلامية. كما أفادت مصادر بأن الشبكة، المعروفة بتماهيها مع سياسات العدو، كانت قد أنهت مهمات نديم قطيش، وقررت أخيراً خفض ميزانيات معظم برامجها، تماشياً مع الضغوط الاقتصادية في الإمارات. في هذا المناخ، يعيش موظفو الشبكة حالةً من القلق وعدم الاستقرار، في ظل غموض يكتنف مستقبلها، وتساؤلات متزايدة حول احتمال تحوّلها إلى منصة رقمية فقط، وإغلاق شاشتها التقليدية.
بين المنصات الرقمية وأزمات المستقبل
في موازاة ذلك، أعلنت منصة «شاشا» الكويتية عن تعزيز حضورها في الفضاء الرقمي، مطلقة مجموعة من البرامج الاجتماعية والفنية التي أُعدّت مسبقاً. فقد أطلقت أخيراً برنامج «قصتي» الذي يقدّمه محمد قيس، بعد انتقاله من قناة «المشهد» الإماراتية. يدور البرنامج حول مقابلات فنية تغوص في حياة الفنان. كذلك، تستعد «شاشا» لإطلاق سلسلة من برامج البودكاست السياسية، بمشاركة إعلاميين خليجيين من جنسيات مختلفة.
أما في قطر، فيواجه الإعلام أزمة وجودية متصاعدة. فرغم التغطية البارزة للحرب عبر «الجزيرة» و«التلفزيون العربي»، بدأت المؤسسات الإعلامية هناك التحضير لمرحلة قد تطول فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، أو تتفاقم فيها تداعيات أزمة النفط العالمية. وقد انعكس ذلك في تقليص ميزانيات البرامج الاجتماعية والفنية، في مقابل تعزيز المحتوى السياسي. كما برز توجّه «التلفزيون العربي» نحو التركيز على الملفات السياسية، بما في ذلك مشاريعه في سوريا التي انطلقت منذ الخريف الماضي.
في السعودية، ترخي الأزمة أيضاً بظلالها على المشهد الإعلامي، رغم سنوات من الوفرة. فقد جُمّدت غالبية المشاريع الفنية والدرامية التي كان مقرراً تصويرها في بيروت ودبي والرياض. في المقابل، يركّز الإعلام السعودي، عبر منصاته المختلفة، على تصعيد الخطاب ضد إيران والمقاومة في لبنان، من خلال منصات عدة، أبرزها «مزيج» التابعة لـ«العربية»، حيث ظهر الإعلامي السعودي عبد الرحمن الراشد أخيراً، مُهاجماً المقاومة بمختلف أطيافها.
كذلك، تشهد شبكة MBC توترات داخلية حول مستقبلها ومستقبل منصة «شاهد»، بعد خسارتهما السباق الرمضاني لعام 2026 مع اندلاع الحرب في بداية آذار (مارس) الماضي. وحتى الآن، تبقى المشاريع معلّقة، في انتظار اتضاح المشهد السياسي.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
