آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » الشرق الأوسط وإعادة تشكيل موازين القوة

الشرق الأوسط وإعادة تشكيل موازين القوة

 

د. سلمان ريا

في السياسة، لا يبدأ الحدث عندما يظهر على الشاشات، بل عندما تنضج شروطه في العمق. فما نراه ليس سوى النتيجة الأخيرة لمسار طويل تشارك في صناعته المصالح الاقتصادية، والحسابات الجيوسياسية، والتوازنات الاستراتيجية. ولهذا فإن الاكتفاء بمتابعة الأخبار لا يكفي لفهم ما يجري.

لقد تبدلت طبيعة القوة في العالم. فلم تعد الهيمنة تُقاس بحجم الجيوش وحدها، بل بالقدرة على توجيه الأسواق، وصناعة السرديات، والتحكم بالتكنولوجيا، وإدارة الطاقة والمال. ومن ينجح في تشكيل الوعي، يمتلك غالبًا نفوذًا يفوق من يسيطر على الأرض بالقوة العسكرية.

ولم تعد الدولة الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية. فإلى جانبها برزت المؤسسات المالية، وشركات التكنولوجيا، والصناعات الدفاعية، ومراكز التفكير، والإعلام العالمي، بوصفها أطرافًا مؤثرة في رسم السياسات وصناعة القرار. وهي لا تعمل ضمن مشروع واحد، لكنها تتقاطع حين تتلاقى المصالح، لتنتج نظامًا دوليًا بالغ التعقيد.

في هذا السياق، أصبحت الرأسمالية المالية أداة من أدوات القوة. فالعقوبات، وأسعار الطاقة، والديون، وسلاسل الإمداد، وأسواق العملات، لم تعد ملفات اقتصادية فحسب، بل تحولت إلى وسائل لإعادة رسم موازين القوى، حتى غدا المال يؤدي أحيانًا ما كانت تؤديه الجيوش.

ومن هذه الزاوية، تبدو أزمات الشرق الأوسط مختلفة. فما يجري في سوريا ولبنان، وما تشهده منطقة الخليج، وما تتحرك ضمنه إيران وتركيا، ليس سلسلة ملفات منفصلة، بل حلقات في فضاء استراتيجي واحد تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، والأمن مع الطاقة، والسياسة مع التجارة الدولية.

فسوريا ما زالت تحتل موقعًا محوريًا في حسابات الإقليم، ولبنان يعكس هشاشة التوازنات الداخلية والخارجية، بينما يتحول الخليج إلى مركز للاستثمار والتكنولوجيا والتمويل العالمي، في الوقت الذي تسعى فيه إيران إلى تثبيت دورها الإقليمي، وتحاول تركيا توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي عبر توظيف موقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية والعسكرية.

غير أن هذا المشهد لا يعني وجود إرادة واحدة تدير العالم من خلف الستار، كما لا يعني أن الأحداث تقع بالمصادفة. فالسياسة الدولية تُصنع من تفاعل مصالح متنافسة، تتقاطع أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى، وفق ميزان متغير للقوة، لا وفق مخطط واحد ثابت.

إن أخطر أشكال الهيمنة اليوم ليست السيطرة على الأرض، بل السيطرة على إدراكها؛ أن يُعاد تعريف المصالح، ورسم الأولويات، وصياغة الرواية التي تبدو بديهية للجميع. وعندها يصبح الصراع على العقول سابقًا للصراع على الحدود.

لذلك، فإن قراءة الشرق الأوسط لا ينبغي أن تبدأ من الخبر، بل من البنية التي أنتجته؛ من الاقتصاد قبل السياسة، ومن الجغرافيا قبل العناوين اليومية، ومن المصالح قبل الشعارات. فالأحداث تتغير، أما المصالح فتبقى، وهي التي تفسر في النهاية اتجاه التاريخ أكثر مما تفسره البيانات والخطب.

إن المنطقة لا تعيش أزمات متفرقة، بل تعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوة في نظام دولي يتغير بسرعة. ومن يدرك حركة المصالح، يدرك منطق الأحداث، حتى قبل أن تتصدر عناوين الأخبار.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العنصرية الذرية..!!

    أ. د. جورج جبور رئيس الرابطة السورية للقانون الدولي الرئيس الفخري للرابطة السورية للأمم المتحدة     يولد الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة ...