تقديم هيئة التحرير
في إطار اهتمامنا بتوثيق القراءات النقدية والدراسات الأدبية التي تسهم في إضاءة جوانب من المشهد الثقافي، نعيد نشر هذه القراءة للكاتب علي نفنوف في كتاب الأديب والمترجم مالك صقور «بوشكين والقرآن»، والتي سبق أن نشرتها جريدة «الوحدة» عام 2018.
ونحن إذ نستعيد هذا المقال بعد مرور ثماني سنوات على نشره الأول، لا ننطلق من اعتباره مادة صحفية راهنة، بل من كونه قراءة نقدية في كتاب أدبي وفكري تتجاوز موضوعاته حدود اللحظة الزمنية التي كُتب فيها. فالقراءة النقدية لا تفقد بالضرورة قيمتها بمرور الزمن، ولا سيما حين تتناول عملاً إبداعياً وفكرياً يظل مفتوحاً على التأمل والحوار.
وقد ارتأينا إعادة نشر المقال بصيغته الأصلية، احتراماً لسياقه وتاريخ كتابته، وإتاحة الفرصة لجيل جديد من القراء للاطلاع عليه، واستعادة جانب من الحوار الثقافي حول التفاعل الحضاري بين الأدب الروسي والثقافة العربية والإسلامية.
وفيما يلي مادة الكاتب علي نفنوف:
بوشكين والقرآن الكريم.. ومالك صقور
بقلم: علي نفنوف
كنت أجيد وأحب التقرب والتواصل مع الكاتب والأديب مالك صقور. كان شغف المعرفة والتعلم يدفعني إلى هذا التواصل مع هذه القامات العالية. واللافت أن الأديب مالك، رغم ريادته ومكانته، كان باذخاً في التواضع والمودة، وكان يتفهم رغبتي في المعرفة. وذات يوم، قدم لي كتابه الذي يندرج تحت بند الأدب المقارن، والمعنون بـ «بوشكين والقرآن».
وكنت وقتها جريئاً… متهوراً في كتابة مقال نقدي، نشرته سنة 2018 في جريدة «الوحدة».
يسرني الآن أن أعيد نشر هذا المقال على موقع «أخبار سوريا الوطن»، تماماً كما كان.
«بوشكين والقرآن»
يرى الروس في بوشكين ليس مجرد عبقري من عباقرة الأدب، بل يرونه واحداً من أعظم رجالات روسيا، ويرون أيضاً أنه إذا ما انتهى لديهم كل شيء، فإنه يبقى لديهم بوشكين.
عاش بوشكين في عصر ثلاثة قياصرة.
ينتمي بوشكين من جهة أبيه إلى عائلة كبيرة جداً من السادة الأشداء، الذين امتزجت حياتهم بمراحل حاسمة من تاريخ البلاد، ومن جهة أمه ينحدر من أصل أفريقي حبشي، ذات السمراء. تكلم بوشكين الفرنسية بطلاقة، وأول ما قرأ القرآن كان مترجماً باللغة الفرنسية. تأثر كثيراً بالقرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة وقصص العرب ورواياتهم.
هذا التأثير المثير للإعجاب كان محور دراسة الكاتب (مالك صقور)، الذي تناوله في كتابه «بوشكين والقرآن»، الصادر عن دار الحارث في دمشق. جاء هذا الكتاب في مرحلة مهمة وخطيرة، على مفترق العلاقات الدولية وعلاقات الشعوب بعضها ببعض، في ظل ما يدور على مختلف الصعد تحت مسمى صراع الحضارات أو صدام الحضارات.
هذه الدراسة، رغم تشعبها والعناء الكبير الذي أبرزه الكاتب، كانت مطية سهلة تحت رعاف قلمه، ربما لأنه مترجم ويتقن اللغة الروسية.
لكن بقي المحور الأساسي في الكتاب هو أن الحضارات تتأثر ببعضها بشكل كبير، وما يؤكد هذا الرأي هو قول الناقد (بيلينسكي): «بوشكين شاعر كل الشعوب بكل العصور، وقد اهتم بالنماذج الإنسانية الخيرة من حضارات الشعوب الأخرى»، وهو الناقد ذاته الذي أطلق على بوشكين لقب «موسوعة الحياة الروسية».
إذا كان التأثير روسياً بحضارة القرآن والإسلام، استهل الكاتب دراسته بتبيان كيفية وصول أنباء المشرق إلى أوروبا وروسيا، ابتداءً من الفتوحات الإسلامية وحركة التجار العرب، مشيراً إلى أنه لا تزال هناك كلمات عربية محضة تُستخدم حالياً في روسيا، مثل: «قماش، الماس، مخازن، صندوق، عربة، إمام، مفتي، مسجد، قيراط، ياقوت، منارة، مئذنة، وغيرها» (ص 23).
مشيراً إلى أن أعظم موقع في موسكو وأجمل شارع هو (أرباط)، الذي يعتبر مطرحاً لتجمع التجار العرب ومربطاً لخيولهم. ويتابع سرده لتطور الاطلاع على الشرق بسرد روائي، مشيراً إلى بعض القصص التي نُقلت إلى اللغة الروسية قبل عصر بطرس الأول، مثل قصة (فرعون ويوسف)، وتاريخ (الحكماء السبعة)، و(لقمان الحكيم)، و(أيزوب العربي).
وبذلك كثرت المراجع العربية عن لغة وثقافة وتاريخ العرب في عهد بطرس الأول. وربما كان هذا الاهتمام لأغراض سياسية، على رأي المستعرب (كراتشكوفسكي). لكن في عهد القيصرة كاترين نشطت الترجمة، وتمت طباعة القرآن من العربية إلى الروسية مباشرة. وهذه الترجمة الناجحة هي التي استخدمها الشاعر بوشكين.
ثم توالى الاهتمام الروسي بأخبار العرب نظراً لاهتمام القراء ورغباتهم، مذكّراً بفضل المستعرب الكبير (كراتشكوفسكي) في نقل الثقافة العربية إلى روسيا.
كان هذا السرد المطول في كيفية انتقال ثقافة المشرق إلى روسيا ليوضح لنا كيف تأثر بها بوشكين، لكن تأثره الأكبر والأعمق كان عندما نُفي إلى القفقاس، حيث احتك بالمسلمين وجاورهم، وتأثر كثيراً بسيرتهم وعاداتهم. فما كانت ملحمته الشعرية (روسلان ولودميلا) إلا حكاية (ألف ليلة وليلة)، التي أُعجب كثيراً بعالمها الغرائبي وحكاياتها.
كانت (روسلان ولودميلا) سبب شهرته الواسعة، وهو في بداية ظهوره. عاش فصول حكاية ألف ليلة متأثراً بها، وعاشها ونقلها للعالم بصوته الشعري الرومانسي، ثم ينتقل إلى أشخاص الحكايات، واصفاً مدى تأثرهم بالسر القادم إليهم أو الخوارق التي تخلصهم من المصائب، تماماً كوصفة الشيخ الذي صادفه رسلان في المغارة، إذ يقول:
فجأة عثر الفارس على مغارة
في المغارة ضوء، فانطلق إليه
في المغارة شيخ مسن
هادئ القسمات، أبيض اللحية (ص 62).
لم تكن الثقافة والرواية والقصة هي مصدر تأثره فحسب، بل كانت العادات وأحاديث الجان تثيره. فقصيدته (الطلمسان)، والتي تعني (التعويذة)، ويقال عنها أيضاً في العربية (الطلمسة)، نقلها إلى الروسية كما هي، وفيها يقول:
هناك قدمت الساحرة لي
بلطف التعويذة
وبلطف قالت:
احفظ تعويذتي (ص 67).
و(ليلى) لم تكن إلا اسماً عربياً واضحاً في رومانسياته:
تركتني ليلى في السهرة
غير مبالية (ص 69).
ومثلما رأى في العربي الصدق والوفاء، كان قد بادل العربي المصري بنفس الوفاء، فخلّده في قصيدته (محاكاة العربي)، واصفاً ما رآه من سجايا وخصال وتوادٍّ، وفيه قال:
فتى لطيف، فتى جذاب
لا تستحِ، فأنت لي من زمان
ففي روحينا نار ملتهبة
ونعيش حياة واحدة (ص 70).
هنا رجّح الكاتب في تفسيره حنينه إلى القارة الأفريقية وأصوله الشرقية.
لكن تبرز قصيدته (النبي)، قطعة فنية فريدة منفردة، تعكس مدى تأثره بالقرآن وسيرة الرسول العربي محمد (ص)، يقول:
وجاءني صوت الرب:
انهض أيها النبي وأبصر
لبّ إرادتي
وجُب البر والبحر
وألهب بفعلك قلوب الناس (ص 77).
مستلهماً هذه القصيدة من سورة فاطر دون منازع.
محاكاة القرآن ولغزها
كثيرة هي التساؤلات: لماذا حاكى القرآن؟ وما السر الذي جذبه إلى القرآن؟ تساؤلات عديدة تطرح نفسها في فصول الكتاب، والتي جاءت متسلسلة بشكل متتالٍ ومتوازٍ مع الأحداث التي مر بها الشاعر بوشكين زمن نفيه.
وهنا دأب الكاتب في مقارنته على إظهار مدى التأثر العميق والفهم الكافي للقرآن والسيرة النبوية من قبل الشاعر بوشكين، كما أوضح كيف كان القرآن والسيرة النبوية ملاذاً روحياً له في محنته ومعاناته وشعوره بالوحدة، الذي شبّه حاله بحال النبي محمد (ص).
ويرى بوشكين أن المحاكاة هي تأثر وإفادة، وليست عيباً أو نقصاً في الإبداع، بقوله: «العبقرية لا إرادية، ومحاكاتها لا تعني سرقة مخجلة أو فقراً للعقل، بل تعني حافزاً في اكتشاف فضاءات جديدة» (ص 90).
هذا الرأي أيده فيه الكثيرون، فمثلاً يقول (بول فاليري): «لا شيء أدعى إلى إبراز أصالة الكاتب وشخصيته من أن يتغذى بآراء الآخرين، فما الليث إلا عدة خراف مهضومة».
وجاءت المحاكاة في قصيدة واحدة من تسع مقطوعات، من الأولى نقتطف:
أقسم بالشفع والوتر
أقسم بالسيف ومعركة الحق
أقسم بنجمة الصباح
أقسم بصلاة العصر (ص 93).
وهكذا تتوالى المقارنة بين مقاطع القصائد وآيات القرآن الكريم، حيث يُلاحظ أن الشاعر يأخذ أحياناً نص القرآن كاملاً، وأحياناً يأخذ الفكرة، وأحياناً يخرج عن النص ويكتب نصه بروح القرآن وأسلوبه وموعظته وموسيقاه (ص 101).
وقد لا تتسع المساحة هنا للتعداد والمقارنة، لكن كل ما احتوته المقارنة يدل على مدى الإبحار في عالم الإنسانية، واتخاذ القرآن مثلاً في الصدق والعدل والخير والحقيقة التي ستنتصر بلا شك.
ثم يعود بوشكين ليرضى بقسمته ونصيبه، ويعيش التواضع عملاً بقوله تعالى: «ولا تصعّر خدك للناس، ولا تمشِ في الأرض مرحاً، إن الله لا يحب كل مختال فخور».
ثم تأتي زوبعة الأسئلة من جديد:
ما الذي أثار اهتمام بوشكين بالقرآن؟
ما السر الذي جذب بوشكين إلى القرآن؟
و… و… إلخ.
هذه التساؤلات طرحها الكاتب، وحاول قراءة الأجوبة حسب المعطيات التي بين يديه، وعلّل أسبابها. فمثلاً، الاهتمام العالمي (الأوروبي – الروسي) بالمشرق العربي وثقافته، وبوشكين لم ينفصل عن هذا الاهتمام. وكذلك أصول بوشكين الشرقية – الأفريقية – الإسلامية، ونزعته إلى الماضي الذي استلّ نسله منه. إلا أن موهبته كشاعر فذ وقدرته اللامحدودة لم تكونا إلا أحد أهم أسباب استيعابه للقرآن وتعلقه به، وفي هذا يقول بوشكين:
«إن العرب ألهموا ملامح العصور الوسطى، النشوة الروحية والرقة والحب ومناصرة الخير والبلاغة» (ص 141).
ثم يعود الكاتب فيعزو ذلك إلى المناخ السياسي والاجتماعي والنفسي الذي عاشه بوشكين، الشاعر المضطهد والمنفي، فلم يجد من سيرة النبي سوى الصبر والإلهام، ومن القرآن سوى الغذاء لروحه المتوقدة. وفي ذلك يقول:
في المغارة السرية
في يوم الهروب
قرأت آيات القرآن الشاعرية
فجأة هدأت روعي الملائكة
وحملت لي التعاويذ والأدعية (ص 144).
إن تفجر الشاعرية الفذة لفت انتباه بوشكين إلى إبداعات الشعوب الأخرى. قال (بيلينسكي) في قصيدته (محاكاة القرآن): «إنها ألماسة براقة في تاج بوشكين الشعري، وإن هذه القصيدة تعكس روح الإسلام وجمالية الشعر العربي».
*كلمة أخيرة لأسرة تحرير الموقع
إن إعادة نشر هذه القراءة لا تعني إغلاق النقاش حول كتاب «بوشكين والقرآن»، ولا تقديم ما ورد فيها بوصفه الكلمة النقدية الأخيرة في موضوعها، بل هي دعوة إلى إعادة فتح نافذة على عمل أدبي وفكري يستحق التأمل، وعلى تجربة نقدية كُتبت في سياق ثقافي سابق وما زالت تتيح مجالاً للحوار والاختلاف.
فالنصوص النقدية، شأنها شأن الأعمال التي تتناولها، قد تحتفظ بقيمتها بعد سنوات من كتابتها، وقد تكتسب دلالات جديدة حين يقرأها جمهور مختلف وفي سياق زمني آخر.
ومن هنا تأتي إعادة نشر هذه المادة، مع حفظ حقها في تاريخها الأصلي، وفتح المجال أمام قراءات ومقاربات جديدة لكتاب مالك صقور، وللأسئلة الثقافية والحضارية التي يثيرها.

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
