الرئيسية » ثقافة وفن » جـــدل السّلطـــة والهُويّــة في روايـة “الــدّوار الجنوبــيّ”لمفيد عيسى أحمد

جـــدل السّلطـــة والهُويّــة في روايـة “الــدّوار الجنوبــيّ”لمفيد عيسى أحمد

 

 

بقلم: أحمد الحسين

 

يمكن النّظر إلى الشّكل الفنّيّ في رواية «الدّوّار الجنوبيّ» لـ مفيد عيسى أحمد (أوكسجين، أونتاريو، كندا، 2025) بوصفه حاصل تفاعُل بين رؤية الكاتب الجماليّة للسُّلطة وآليّة تحويلها إلى نصّ سرديّ يتمحور حول سؤال الهّويّة؛ إذ إنّ الرؤية الجماليّة لا تتجلّى في النّصّ بعد التّسريد، وإنّما تتداخل معه منذ البداية؛ وتحدِّد الطّريقة التي ينظر بها الكاتب إلى السّلطة، ما يُفضِي إلى أنّ السُّلطة تفقد طبيعتها بوصفها مضموناً خارجيّاً، وتتحوّل إلى مبدأ من مبادئ التّنظيم الجماليّ للنّصّ.

 

السُّلطة بين المفهوم السّياسيّ والتّجسُّد النّصيّ

 

السُّلطة في رواية “الدوار الجنوبي”: دراسة في التجسيد النصي

 

وبتوضّع هذا التنظيم من خلال تشكيل بنية نصيّة محدَّدة؛ ذلك أنّ السُّلطة لا تبقى مفهوماً سياسيّاً مُجرَّداً، وإنّما تتجسّد في الشّخصيّات التي تمارسها، وفي شبكة العلاقات التي تنشأ حولها، وفي الأفعال التي تنتج عنها؛ وتتحوّل إلى قــوّة دراميّة تساهم في صياغة الحدث، ولا يعود بناء الشّخصيّة عندها مُختزَلا في خصائصها الفرديّة وحسب، بل يتحدّد كذلك بموقعها داخل شبكة القــوّة والهيمنة. ومن هذه النُّقطة يتولَّد أحد أهمّ مظاهر التّشكيل الفنّيّ في الرِّواية، وهو بناء شبكة من الشّخصيّات والمصائر المتعدّدة بدلا من الاقتصار على علاقة ثنائيّة بين حاكم ومحكوم. ذلك أنّ السّلطة حين تُسرَد بوصفها شبكةً من العلاقات تُنتِج بدورها شبكةً سرديّةً من الشّخصيّات الباحثة عن ذواتها، والسّاعية إلى تشكيل هُويّاتها، ويدفع هذا الحكاية المسرودة إلى التّشعُّب والتّقاطع، ويجعل المصير الفرديّ والبحث عن الهُوية الفرديّة لأيّ شخصيّة في النّصّ متّصلاً بمصائر الشّخصيّات الأخرى وسعيها إلى بناء ذواتها؛ ومن هنا يغدو تعدُّد الشّخصيّات وتداخُل حكاياتها نتيجةً من نتائج آليّة تسريد السُّلطة، وليس مجرَّد خيار تقنيٍّ منفصل عنها.

 

تبدّدُ قوّة المعلّم ومصائر الشّخصيّات

 

وقد حرص مفيد عيسى أحمد على جعل شخصية “المعلّم” تختزن نقطة ضعف غير منظورة تُمثّل مقتلا لها، ولذلك لايبقى “المُعلِّم” في الرّواية محتفظاً بكامل قوّته، وإنّما تتضاءل هذه القوّة تدريجيّاً إلى أن تنتهي بمغادرته للفضاء السّرديّ مُفسِحاً المجال لقوّة غير منظورة للهيمنة على الفضاء الرّوائيّ، والتّحكّم بمصائر الشّخصيّات، ويتّخذ تبدُّد قوة «المُعلِّم» في الرّواية دلالته، حين نتابع أثره في تحديد مصائر الشّخصيّات المتعدّدة التي ربطت وجودها به، بما تمثِّله من إمكانيّة للصّعود والرّغبة في بناء هُـويّة بمعزل عنه؛ إذ إنّ سلطته التي كانت تبدو قادرة على تحقيق الرّغبات وتشكيل الهُويّات الفرديّة، تكشف لاحقاً عن طبيعتها التّدميريّة؛ إذ لا تمنح الشّخصيّات التي تقترب منها القدرة على بناء مصائرها، وإنّما تجعلها معلَّقةً بإرادة قوّة غير منظورة أكبر منها، سرعان ما تتخلّى عنها، وتدفع بها إلى القاع والهامش والعدم والموت.

 

هشاشة الشّخصيّة، وتشظّي الكينونة

 

وتتجلّى هذه المُفارَقة بصورة واضحة في شخصيّة الفتاة القرويّة التي يتزوّجها «المعلّم» لليلة واحدة، ثمّ يأمر بنقلها إلى قريتها، وإلقائها هناك كخرقة بالية؛ ومن ثمّ فإن اختزال العلاقة مع الفتاة إلى زواج شكليّ يكشف منذ البداية عن اختلال جذريّ في ميزان القـوّة: إذ إنّ ما تراه الفتاة فرصةً للانتقال من حيّز الفقر إلى عالم الثّراء والصّعود، يراه «المُعلِّم» علاقةً عابرةً يمكن إنهاؤها بخطوة منفردة؛ ومن ثمّ فإنّ الزّواج يتحوّل سرديّاً إلى آليّة لتكريس هشاشة شخصيّة الفتاة القرويّة، وتجريدها من القدرة على تقرير مصيرها، وتكمن أهميّة شخصيّة الفتاة في أنّها لا تمثِّل الخضوع للسُّلطة وحده، وإنّما تكشف عن الوجه الآخر لعلاقة الفرد بها؛ إذ إنّها لم تكن تحلم بالخلاص من منظومة القــوّة، وإنما كانت تحلم بالدُّخول إليها، وكانت تتطلَّع إلى أن تمنحها علاقتُها بالمعلِّم حياةً مترفة تخرجها من الفقـر الذي ترزح تحته إلى حيّز آخر يساعدها على إشباع رغباتها الاستهلاكيّة؛ ولذلك كانت السُّلطة تمثِّل، في وعيها، وسيلة للصُّعود حتّى لو كان الثَّمن التّخلّي عن جانب مهمّ من إنسانيّتها وكينونتها الدّاخليّة.

 

وهنا نشأت المفارَقة التي منحَتْ هذه الشّخصيّة قيمتها الفنّيّة: إذ إنّ ما كان يبدو لها في البداية طريقاً إلى امتلاك الحياة يتحوّل إلى آليّة لتشظّي الكينونة؛ ذلك أنّ سعيها إلى تجاوز موقعها الاجتماعيّ، انتهى إلى فقدانها لقدرتها على امتلاك مصيرها، وإعادة بناء هُويّتها؛ إذ انتقلت ظاهريّاً من الهامش والمكان الطّرفيّ إلى القصر والمركز، لكنّها لم تلبث أن أعيدَتْ إلى الهامش بصورة أكثر قسوةً؛ لأنّ صعودها لم يكن قائماً على امتلاكها لذاتها، وإنّما على إرادة سلطة أخرى أقوى منها؛ ومن ثمّ فإنّ مصيرها التّراجيديّ كشف عن آليّة مهمّة من آليّات تسريد السُّلطة في الرِّواية، تتمثّل في إغراء السُّلطة ثمّ سحب الوعد؛ إذ إنّ السُّلطة لا تظهَر دائماً في صورة القهر المباشر؛ بل قد تظهر بوصفها إمكانيّةً واعدةً بالخلاص وتحقيق الرّغبة، ثمّ لا تلبث أن تكشف عن وجهها القهريّ عندما يصبح الفرد متعلِّقاً بها. وهنا تتداخل الرّغبة مع الهيمنة، ويتحوّل الطُّموح الفرديّ إلى أحد الأشكال التي تعيد السُّلطة من خلالها إنتاجَ نفسها؛ ولذلك فإنّ التّخلُّص من «المعلِّم» أو تبدُّد قوّته لا يُفضِي إلى إنقاذ هذه الشّخصيّة من مصيرها المحتوم؛ لأنّ مصيرها لم يعد متعلِّقاً بالمعلّم وحده، وإنّما بالمنظومة التي جعلت حياتها وآليّة بنائها لذاتها مرتبطةً بمركز السُّلطة. وحين يتراجع هذا المركز، لا تجد الشّخصيّة ذاتاً مستقلّة لها يمكن أن تستند إليها، فتغدو معرَّضةً للسُّقوط؛ وتكتسب النّهاية الفجائعيّة لشخصيّة الفتاة، من هذه الزّاوية، وظيفة تتجاوز المأساة الفرديّة؛ إذ إنّها تكشف عن انهيار الوهم الذي ربط آليّة تحقيق الذّات بالانضواء داخل منظومة السّلطة. فالفتاة التي كانت تطمح إلى تجاوز فقرها من خلال زواجها بالمعلّم لا تصل إلى الحياة المترفة التي تخيَّلتَها، وإنما تُعَاد إلى قريتها بعد أن جرى اختزالُها إلى جسد قابل للاستعمال مرّة واحدة؛ وبذلك يتحوّل الاستهلاك الذي كانت الفتاة تطمح إليه إلى استهلاك لإنسانيّتها ذاتها؛ إذ تصبح هي نفسُها موضوعاً للاستهلاك داخل منظومة السُّلطة العاتية.

 

المفارقة بوصفها آليّة لبناء الشّخصيّة

 

وقد غدت هذه المفارقة من أهمّ آليّات بناء الشّخصيّة في الرّواية؛ إذ إنّ هذه الشّخصيّة لم تُبنَ فقط من خلال صفاتها الفرديّة، أو من خلال الأفعال التي اجترحتْها، وإنّما من خلال الفارق بين ما كانت تتطلّع إليه وما آل إليه حالُها الفاجع، وهذا الفارق هو الذي منح آليّة تسريد السُّلطة بعدها الدّلاليّ؛ إذ إنّ السُّلطة تُنتِج الوهم أولًا، ثمّ تسلب من الشّخصيّة القدرةَ على تحقيقه، وتتركها في مواجهة مصير لم تعد تملك القدرة على إمكانيّة تغييره. ويسهم هذا المسار في نقل الرّواية من مركزيّة «المعلِّم» إلى تعدُّد المصائر المنهارة؛ فحين يتبدّد مركز القوّّة، لا تتوقّف الحكاية المسرودة عن الاندياح والتّمدّد، وإنما تبدأ آثار انهيار هذا التّبدّد في الظّهور على الشّخصيّات الأخرى التي كانت مرتبطة به بدرجات مختلفة؛ وهكذا يصبح تفكُّك سلطة «المُعلِّم» آليّة لتوليد حكايات السُّقوط، وتتشكّل البنية الرّوائيّة من خلال انتقال أثر القـــوّة المتضائلة من المركز إلى الأطراف. وبذلك تتّضح العلاقة بين تسريد السُّلطة وبناء الشّكل الفنّيّ بصورة أكثر عمقاً؛ إذ إنّ قــوّة المعلِّم تتبدَّد، لكنّ آثارها لا تتضاءل؛ بل تنتقل إلى مصائر الشّخصيّات، وكلّما انحسر المركزُ الظّاهر، ازداد حضور القــوّة غير المنظورة التي تُعِيد توزيع الخوف والخسارة والموت؛ ومن هنا يصبح السُّقوط الفرديّ للشَّخصيّة جزءاً من حركة أوسع في الرِّواية، هي حركة انتقال السُّلطة من التّجسُّد إلى الأثر، ومن الإرادة الشَّخصيّة إلى القــوّة غير المرئيّة.

 

آليّة إنتاج التّبعيّة

 

وتكشف شخصيّة الفتاة القرويّة، في هذا السِّياق، أنّ الرِّواية لا تقيم علاقة بسيطة بين السُّلطة وضحاياها؛ فهي ترصد كذلك تورُّط الرّغبة الفرديّة في إنتاج العلاقة السُّلطويّة؛ إذ إنّ الإنسان قد يقترب من السُّلطة لا خوفاً منها وحسب، وإنّما طمعاً فيما تعد به من ثروة ومكانة وامتياز. غير أنّ هذه الرّغبة لا تمنحه الاستقلال عنها، بل تجعله أكثر ارتهاناً لها. وحين تسحب السُّلطة وعدها وتتخلّى عنه، يجد نفسه بلا حماية أو قدرة على استعادة ذاته وترميم كينونته المتشظّية؛ وهكذا يتحوّل مصير الفتاة من حكاية امرأة خُذِلتْ في زواجها إلى علامة على بنية أوسع تتلخّص في أنّ السُّلطة حين تصبح طريقاً وحيداً للخلاص وتشكيل الهويّة؛ يتحوّل الطُّموح إلى أداة لإعادة تشظّي الذّات وإنتاج التّبعيّة للسّلطة، ويصبح الصُّعود الظّاهريّ مقدِمةً لتشظٍّ وسقوط أكثر عمقاً. وهذه النّتيجة تسهم في تفسير الطّابع الفجائعيّ الذي يتّخذ شكلاً متزايداً كلّما تفكّك المركز السُّلطويّ في الرّواية؛ وهنا تتّضح مرّة أخرى خصوصيّة تسريد السُّلطة في «الدّوّار الجنوبيّ»: فالسُّلطة لا تكتفي هنا بقهر الشّخصيّات من الخارج والحيلولة بينها وبين تحقيق ذواتها، وإنما تتسلّل إلى رغباتها نفسها، فتجعل بعض تطلُّعاتها جزءاً من آليّة إخضاعها؛ وبذلك يصبح الصِّراع مع السُّلطة أكثر تعقيداً من مواجهة قــوّة خارجيّة؛ لأنّه يتحوّل إلى صراع داخل الذّات، كما يتحوّل إلى صراع بين الهُويّة والرّغبة في امتلاك الحياة والحفاظ على الكينونة الإنسانيّة.

(أخبار سوريا الوطن-مجلة البعد الخامس الثقافية بيروت)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من سيدني إلى طرطوس… حيث تعبر القصيدةُ حدودَ الجغرافيا وتفتح الكتابةُ أسئلتَها

    بقلم: أحلام حسين غانم   ليست كلُّ المسافات ما تقيسه الخرائط؛ فثمة مسافات تختصرها قصيدة، وتلغيها ذاكرة، ويعيد وصلَها وجدانٌ يعرف أن للإنسان ...