الرئيسية » ثقافة وفن » من سيدني إلى طرطوس… حيث تعبر القصيدةُ حدودَ الجغرافيا وتفتح الكتابةُ أسئلتَها

من سيدني إلى طرطوس… حيث تعبر القصيدةُ حدودَ الجغرافيا وتفتح الكتابةُ أسئلتَها

 

 

بقلم: أحلام حسين غانم

 

ليست كلُّ المسافات ما تقيسه الخرائط؛ فثمة مسافات تختصرها قصيدة، وتلغيها ذاكرة، ويعيد وصلَها وجدانٌ يعرف أن للإنسان لغةً أعمق من حدود المكان.

 

من سيدني، حيث يلامس البحرُ أفقًا بعيدًا، جاءت الأديبة أمان السيد إلى طرطوس، حاملةً في حقائبها أسئلةَ المنفى وذاكرةَ الأمكنة ودهشةَ اللغة، لتلتقي قرّاءها في مدينةٍ تعرف كيف تُصغي إلى البحر، وكيف تحوّل الموج إلى حكاية.

 

شهدت قاعة اتحاد الكتّاب العرب في طرطوس، أمس الأربعاء، لقاءً ثقافيًّا مميّزًا، بحضورٍ نوعيّ ونخبويّ من المهتمّين بالشعر والأدب والثقافة، في احتفاءٍ بتجربةٍ أدبية تتقاطع فيها الكتابة مع أسئلة الإنسان والوجود، وتتجاور فيها رهافة الشعر مع طاقة السرد.

 

د. عبير خالد يحيى… قراءةٌ تستنطق روح النصّ

 

قدّمت اللقاء الناقدة الذرائعية الدكتورة عبير يحيى، في قراءةٍ نقدية عميقة لتجربة أمان السيد، تجاوزت التعريف بالمنجز إلى استكناه العوالم الوجدانية والفكرية التي تتشكّل داخل نصوصها، حيث يتداخل المنفى مع الذاكرة، ويغدو المكان أكثر من جغرافيا، واللغة أكثر من أداة للتعبير؛ إنها وسيلة لاستعادة الذات ومقاومة التلاشي، وفضاء إنسانيّ تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الوجع الجماعي.

 

ولعلّ هذه الرؤية تجد صداها في مجموعة الشاعرة أمان السيد «النهر أنت يا حبيبي.. وأنا الأفعوان»، حيث لا تبدو سيدني مدينةً بعيدة تسكنها الشاعرة فحسب، بل كائنًا حيًّا يشارك الإنسان وحدته، ويمنح العابرين فسحةً للانتماء. تقول أمان السيد:

 

«في سيدني الرصيف حنون

على ضفافه يتصادق المبعثرون والتائهون والعارفون

ويندى الحديث والابتهال».

 

في هذه الصورة، يتحرّر الرصيف من جموده ليغدو حضنًا إنسانيًّا، وتتحوّل المدينة من فضاء خارجي إلى علاقة وجدانية؛ فالمبعثرون والتائهون والعارفون يجدون على ضفافه ما قد تعجز الأمكنة المألوفة عن منحه لهم: ألفةً لا تسأل عن أصول العابرين، ولا تشترط عليهم الانتماء كي تستقبلهم.

 

وتواصل الشاعرة بناء عالمها البصري، فتمنح معمار المدينة لغةً من الإيماء والدهشة، وتكتب عن أوبرا سيدني:

 

«في أوبرا هاوس:

القِبابُ قبعات تنحني إجلالًا وخفرًا،

لألقِ ماءِ التَّوَلُّه يتدفق».

 

هنا لا تكتفي الصورة بوصف المعلم المعماري، بل تعيد خلقه شعريًّا؛ فالقباب تنحني، والماء يتدفّق، والمكان يدخل في طقسٍ من التوق والافتتان. إنها عين الشاعرة حين تتجاوز المرئي إلى ما يختبئ خلفه، وحين تمنح الأشياء حياةً أخرى لا تُدركها إلا اللغة.

 

لكن المدينة التي تتّسع للبوح لا تُلغي وحشة المنفى؛ فخلف دفء الأرصفة وألق القباب، ثمة حزنٌ يثقل الروح، وحقائب تحمل ما لا تستطيع المسافات محوه. تقول الشاعرة:

 

«موسيقى الجاز تراكضني سريعًا سريعًا.. وتحتمي بالمطر في ظلال الأشجار

… الغابات تشتدُّ بالسواد،

تهوى أن تنافس المنفيين في حزنهم، وأوجاعهم المتراكمة في حقائب السفر

حديث الموسيقى يهطل على قلوب المنفيين مطرًا، ودمًا وغربة».

 

في هذا المقطع، تتجاوز الموسيقى وظيفتها الجمالية لتصبح شريكًا في تجربة المنفى؛ فالغابات لا تكتفي بأن تكون خلفيةً للمشهد، بل تنافس المنفيين أحزانهم، فيما تتداخل عناصر الطبيعة مع الجرح الإنساني، حتى يغدو المطر لغةً للوجع، والموسيقى اعترافًا بما تعجز الكلمات المباشرة عن قوله.

 

وهنا تلتقي الشواهد الشعرية مع المحاور التي أضاءتها الدكتورة عبير يحيى في تقديمها: الوجدان، والمنفى، والذاكرة، واللغة الإنسانية؛ إذ لا تكتب أمان السيد عن الغربة بوصفها انتقالًا من بلدٍ إلى آخر فحسب، بل بوصفها اختبارًا للانتماء، ومواجهةً بين الذات وما تحتفظ به من ذاكرة، وما يفرضه عليها المكان الجديد من أسئلة.

 

من الإصغاء إلى الحوار… أسئلة تتجاوز حدود النصّ

 

لم يتوقف اللقاء عند حدود القراءات الشعرية والقصصية، بل اتّسع إلى حوار مفتوح شارك فيه الحضور بأسئلةٍ لامست جوهر الكتابة ومصير الأدب في عالم تتغيّر فيه وسائل التعبير، وتتداخل فيه الحدود بين الإبداع البشري والإنتاج الرقمي، وتتسارع فيه الخوارزميات على حساب التمهّل الذي تحتاج إليه القراءة العميقة.

 

وكان من بين الأسئلة التي وُجّهت إلى الأديبة أمان السيد سؤالٌ يستحضر تحديات الكاتب المعاصر، ويضع فرادة الصوت الأدبي في مواجهة التشابه العالمي:

 

«أستاذة أمان، في زمنٍ لم تَعُدْ فيه الكتابةُ حكرًا على الكاتبِ، ولا القراءةُ فعلًا معزولًا عن الخوارزميّاتِ، ولا الثقافةُ محكومةً بحدودِ الجغرافيا، كيف يمكنُ للأديبِ أن يحميَ فرادةَ صوتِه من الذوبانِ في هذا التشابهِ العالميِّ؟

 

وهل أصبحَ التحدّي الحقيقيُّ للكاتبِ اليومَ أن يجدَ مَن يقرأُه، أم أن يكتبَ ما يستحقُّ أن يُقرأَ في عالمٍ تتكاثرُ فيه النصوصُ وتتراجعُ فيه الدهشةُ؟

 

فما الذي يجبُ ألّا يتغيّرَ في الكتابةِ كي تبقى فنًّا، لا مجرّدَ إنتاجٍ للكلماتِ؟»

 

لم يكن هذا السؤال استفسارًا عابرًا عن واقع الكتابة فحسب، بل كان انتقالًا من تجربة أدبية إلى مساءلة المشهد الثقافي بأكمله؛ فمن فرادة الصوت إلى مسؤولية الكاتب، ومن وفرة النصوص إلى قيمة النص، ومن سلطة الخوارزميات إلى قدرة الإنسان على ابتكار ما لا يمكن اختزاله في أنماط متشابهة.

 

إنه سؤال يضع الأدب أمام امتحان مزدوج: كيف يستفيد من تحوّلات العصر من دون أن يفقد خصوصيته؟ وكيف يحافظ على دهشته في زمن أصبحت فيه الكلمات متاحة بكثرة، بينما يظلّ الأثر العميق نادرًا؟

 

فليست المسألة أن يكتب الأديب أكثر، بل أن يمنح الكتابة ضرورةً داخلية تجعلها جديرة بالوجود؛ وأن يترك في اللغة شيئًا من تجربته التي لا تُستعار، ومن رؤيته التي لا تُختصر، ومن إنسانيته التي لا تستطيع الخوارزمية أن تعيشها نيابةً عنه.

 

وهكذا منح الحوار اللقاء بُعدًا يتجاوز الاحتفاء بمنجز أدبي بعينه، ليجعل من الحضور شركاء في التفكير، ومن السؤال مساحةً مفتوحة لاختبار معنى الإبداع في عالم متحوّل.

 

الكتابة بوصفها عودةً إلى الإنسان

 

في قراءاتها الشعرية والقصصية، منحت الأديبة أمان السيد الحضور فرصةً للإنصات إلى تعدّد الأصوات في تجربتها، وإلى تلك المنطقة الملتبسة بين ما يعيشه الإنسان وما يستطيع البوح به، حيث تتحوّل الكتابة إلى وسيلة لاستعادة ما يتعرّض للانكسار، وإلى محاولة لمنح المهمّشين والمنفيين حقّهم في الحضور والصوت.

 

لقد أضاء التقديم النقدي للدكتورة عبير يحيى ملامح التجربة، فيما جاءت القراءات لتضع النصوص أمام اختبار التلقّي الحيّ، ثم جاء الحوار ليُكمل الدائرة، رابطًا بين النص وصاحبه، وبين التجربة الفردية والأسئلة الثقافية الكبرى.

 

وهنا تكمن قيمة اللقاءات الأدبية الحقيقية؛ فهي لا تكتفي بأن تمنح المبدع منبرًا للكلام، بل تفتح أمامه وأمام جمهوره مجالًا للتفكير المتبادل، وتمنح الأدب فرصةً لأن يخرج من عزلته إلى فضاء الحوار والمساءلة.

 

كلّ التقدير للأديب رئيس فرع طرطوس لاتحاد الكتّاب العرب على رعايته هذا اللقاء، وللدكتورة عبير يحيى على تقديمها النقدي، وللأديبة أمان السيد التي عبرت المسافة من سيدني إلى طرطوس محمّلةً بذاكرة الأمكنة وأسئلة الإنسان، وللحضور الكريم الذي أسهم بأسئلته ومداخلاته في إثراء هذا الموعد الثقافي.

 

إلى لقاءٍ آخر في ربوع سورية

 

وفي ختام اللقاء، ودّع الأدباءُ الأديبةَ أمان السيد، على أمل أن يتجدّد هذا الموعد الثقافي في ربوع وطنها الغالي سورية؛ فبعض اللقاءات لا تنتهي عند لحظة الوداع، بل تترك في الروح وعدًا بعودةٍ أجمل، وفي الذاكرة مكانًا ينتظر اكتمال الحكاية.

 

جملة القول

 

مهما امتدّت المسافات بين سيدني وطرطوس، تبقى سورية القصيدةَ الأولى التي لا تنتهي، والأرضَ التي تحفظ في طينها الأوّل حكاية الروح، وفي بحرها ذاكرة البدايات؛ فمهما ابتعدت بها الجغرافيا، تظلّ جذورها تُصغي إلى نداء الوطن، كأنّ في القلب بوصلةً لا تخطئ طريقها إلى الأرض التي أنبتت الحرف، ومنحت الصوت ملامحه الأولى.

 

فربما لا يكون المنفى أن نبتعد عن المكان، بل أن نحمل أمكنتنا في داخلنا، ونظلّ نبحث عن لغةٍ تتّسع لكلّ ما تركناه وراءنا. وربما لا تكون أزمة الكتابة في قلّة القرّاء وحدها، بل في قدرتها على أن تقول شيئًا يستحقّ أن يُصغى إليه، وأن توقظ في الإنسان دهشةً لم تستطع وفرة الكلمات أن تطفئها.

 

فما الذي يبقى من الأدب، إذا لم يستطع أن يجعلنا نرى العالم، والإنسان، وحتى أنفسنا، على نحوٍ مختلف؟

أخبار سوريا الوطن – الكاتبة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في الذكرى العاشرة لاتفاق شفهي لم يُحترم!من بيروت إلى باريس..حكاية اتصال هاتفي بشأن يوم اللغة العربية

الدكتور جورج جبور صاحب فكرة يوم اللغة العربية، بلا منازع تبقى بيروت نافذة دمشق الثقافية، بل هي، فعليًّا، عاصمة التلاقح الثقافي العربي. في بيروت ، ...