د.عادل صادق حسن
كنتُ قبل أيام أستقلّ حافلة نقل عام من كراج حرستا إلى البرامكة، وكان يجلس في المقعد المقابل خلف السائق شخصٌ عرّف عن نفسه، منذ بداية الرحلة، بأنه من حلب، وأبدى شوقه إلى دمشق وحبّه لها. رحّب به الركاب، وتمنّوا له إقامة طيبة في الشام، في مشهد يعكس ما عُرف عن السوريين من كرم الضيافة وحسن الاستقبال.
وبعد دقائق، دار حديث بين الركاب، ذكر خلاله الرجل أنه أمضى ثلاثة أشهر في اللاذقية، وأنه تعرّض للتوقيف من قِبل الأمن العام بعد أن أبلغ أحدهم عنه.
سأله أحد الركاب باحترام: لماذا أُوقفت؟
فأجابه بأن لهجته تدلّ على أنه ليس من دمشق. فردّ الراكب بأنه من درعا ويسكن في نهر عيشة، ثم أعاد سؤاله عن سبب التوقيف، من دون أن يتلقى إجابة واضحة. وبدلاً من ذلك، انطلق الرجل في إطلاق أوصاف مهينة وعبارات مسيئة بحق أبناء منطقة بأكملها، مستنداً إلى تعميمات وأحكام مسبقة، وماضياً في الإساءة من دون أن يقاطعه أحد أو يعترض على ما يقول.
ما أزعجني في هذه الحادثة ليس مجرد وجود شخص يطلق الشتائم والتعميمات، فهذا للأسف بات مألوفاً في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتجاوز الإساءة حدود النقد، لتصل أحياناً إلى التحريض على القتل والإبادة، ونشر خطاب الكراهية والتكفير. إنما ما آلمني حقاً أن أسمع هذا الخطاب على أرض الواقع، وفي وسيلة نقل عامة، قبل يومين فقط.
وفي نفس اليوم، سمعتُ أصوات الطائرات المسيّرة الإسرائيلية وهي تنتهك أجواء دمشق، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما شهدته البلاد في مراحل سابقة.
وهنا تبرز أسئلة لا يجوز لنا تجاهلها:
هل تدرك إسرائيل أن التشرذم الداخلي السوري، واتساع دائرة الكراهية والعداء بين أبناء المجتمع الواحد، يهيئان بيئة أكثر ملاءمة لتوسيع اعتداءاتها، ليس في الجنوب فحسب، بل في مناطق سورية أخرى؟
وهل يدرك دعاة التقسيم والتكفير والثأر والفتنة، من أي جهة كانوا، أن خطابهم لا يؤدي إلا إلى إضعاف الداخل السوري، وتعميق الانقسامات، وتقديم مزيد من الفرص لأعداء البلاد؟
وهل يستوعب البعض أن انشغالنا بالتخوين والتراشق والاقتتال، حتى في الفضاء الافتراضي، يضعف قدرتنا على مواجهة الأخطار الحقيقية، ويجعلنا أكثر عرضة للاستهداف؟
لماذا نتعادى مجاناً؟ ولماذا نمنح خصومنا ما يعجزون أحياناً عن تحقيقه بأنفسهم؟ ولماذا نخطئ في تحديد الصديق من العدو، ونسمح للكراهية بأن تعمي بصيرتنا وتضلّل بوصلتنا؟
هل تدعونا أدياننا إلى السبّ والشتم والتحريض، أو إلى إزهاق الأرواح أمام أعين الأطفال؟ وهل تسمح لنا إنسانيتنا وأخلاقنا بأن نتواطأ مع أي عدو ضد أبناء وطننا، أو أن نتغاضى عن معاناة إنسان لمجرد اختلافه معنا؟
إن ما شهدته سورية من انتهاكات ومظالم، في الماضي والحاضر، لا يجوز إنكاره أو التقليل من شأنه، كما لا يجوز أن يكون مبرراً للانتقام الجماعي أو التحريض أو استهداف الأبرياء. فالعدالة ضرورة لبناء الوطن، والمحاسبة حق لا بد منه، لكنهما لا يتحققان بالكراهية ولا بالثأر، بل بالقانون والإنصاف وصون كرامة الإنسان.
لا نجاة لسورية إلا بتماسك مجتمعها، وتعاون أبنائها، واحترام اختلافاتهم، والتمسك بحق الجميع في العيش بأمان وكرامة، بعيداً عن الإقصاء والتخوين والتكفير. نحن بحاجة إلى ترميم الثقة، وإعلاء صوت العقل، وتغليب المصلحة الوطنية على الأحقاد الشخصية والحسابات الضيقة.
ولنعد إلى القيم التي تجمعنا، وإلى تعاليم الله عز وجل التي تدعو إلى الرحمة والعدل والإحسان، وإلى احترام الإنسان وصون دمه وكرامته. فالمحبة والسلام ليسا ضعفاً، والتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، ورفض خطاب الكراهية لا يعني الصمت عن الظلم، بل يعني أن نواجه الظلم من دون أن نتحول إلى صور أخرى منه.
إن الأديان السماوية، في جوهر رسالاتها، تدعو إلى الرحمة والمحبة والسلام، وترفض الظلم والعدوان. أما خطاب الحقد والتحريض والقتل والتخريب، فلا يبني وطناً ولا يحفظ كرامة، وإنما يزرع مزيداً من الألم والدمار.
سورية وطن يتّسع لجميع أبنائه، ولا يمكن أن يحميه أبناؤه وهم يتناحرون فيما بينهم. فلنختلف من دون أن نتباغض، ولنطالب بالعدالة من دون أن ننتقم، ولنواجه الأخطار الخارجية بتماسكنا الداخلي، لا بتدمير ما تبقّى من روابطنا الوطنية.
فهل نعي، قبل فوات الأوان، أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرّقنا، وأن حماية سورية تبدأ من حماية الإنسان السوري، أياً كان انتماؤه أو منطقته أو معتقده؟
(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

