آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حسن إبراهيم سمعون: أنسنة التاريخ وتمرّد الطين تحت ظلال «الجوزة السورية»

حسن إبراهيم سمعون: أنسنة التاريخ وتمرّد الطين تحت ظلال «الجوزة السورية»

 

 

بقلم: علي نفنوف

دبي

 

من هنا نبدأ… من «الإنسان»

 

حين نهمّ بالكتابة عن القامات الإبداعية التي تركت بصمتها في وجداننا، نقع غالباً في فخ التصنيف. فهل نقول عن حسن إبراهيم سمعون إنه شاعر؟ وبذلك نكون قد ظلمنا ألف صفة فيه. أم نقول إنه قارئ تاريخي، وباحث ومؤرخ؟ فنكون قد حجبنا فيض تمهّله وتمرده على سطوة القوالب الجاهزة والهرطقات.

 

الواقع أن الكتابة عن حسن سمعون يجب أن تبدأ من نقطة واحدة لا غير: إنه «الإنسان» أولاً وقبل كل شيء. إنسانٌ قادمٌ من ذات البيئة الجغرافية والمجتمعية والأخلاقية التي تقاسمنا ملحها ووعيها، حتى غدت عائلة سمعون وعائلة نفنوف، في عرف المنطقة، أسرةً واحدة، تتجاوز بأفقها الواعي كل أوزار الفشل الاجتماعي ومنغصات الزمن الطارئ، لتتمسك بالحلم والمستقبل.

 

صالون ثقافي تحت شجرة: فناء الدار والجوهر

 

من يزور حسن سمعون لا يحتاج إلى أدلة مدوّنة ليعرف كرمه وسخاءه؛ إذ تشهد على حضوره الإنساني والمجتمعي تلك المواقد والقدور والأوعية، ودنان العطر المسكوبة على خشب الطاولة العتيق تحت كرمه وكرومه، وما طاب من فلسفة العنقود… وقبلها جميعاً، «الجوزة السورية» الوارفة في فناء داره.

 

هذه الشجرة لم تكن مجرد كائن فيزيائي طبيعي، مذ تحولت بظلالها إلى مركز ثقافي غير رسمي، اجتمع تحته كبار الشعراء والفنانين والمثقفين، ليتنفسوا الحرية ويبادلوه الفكر والكلمة. وكان لي شرف الجلوس في ظلها مرات عدة، آخرها كان برفقتي الفنان المبدع علي بهاء معلا، وكان حديثنا عن الموسيقى والعود والقانون، وأخبار أجدادنا الفينيقيين، وآخر حكايا النحت. وكانت اللوحة الأجمل تلك الطاولة الخشبية التي تزيّنت بالحصرم البري وبعفوية الحوار.

 

تلك العفوية في فناء الدار يقابلها مهابة من نوع آخر بمجرد أن تطأ قدمك عتبة بيته؛ حيث تأخذ أنظارك، للوهلة الأولى، مكتبته الفاخرة المكتظة بأمهات الكتب، والتي أتذكر منها تلك الموسوعة الخالدة «قصة الحضارة»، وإلى جوارها تتزاحم عناوين إصداراته ومؤلفاته، والمسودات والأوراق المخبأة التي تفيض بمئات الدواوين والقصائد والتحف والمقتنيات.

 

المفارقة والجدل: المثقف الحر والمؤسسة

 

منذ صحوت على الدنيا، وأنا أعرف أن هذا الرجل يكره الانطواء تحت الجماعات أو المجموعات أو القيادات، ويمقت كل ما يقيّد الفكر. كان دوماً حراً، يقارع بأفكاره مسلّمات ويقينيات يراها البعض مقدسة، متمرداً على سطوة رجال الدين وهرطقاتهم. وهذه القواسم المشتركة هي مكمن ما يجمعني به أكثر.

 

وهنا تبرز المفارقة التي تظل مأخذاً وتساؤلاً مشروعاً: كيف لرجلٍ بهذه الحرية وهذا التمرد، يكره القيود والتأطير، أن يصبح عضواً في «اتحاد الكتاب العرب»؟

 

ربما هي مفارقة المثقف الذي يحاول أن يزرع بازلته الخاص داخل بيدر المؤسسة، أو لعلها رغبة في مقارعة اليقينيات من داخل أسوارها. لكن الأكيد أن حسن سمعون ظل وفياً لـ«جوزته السورية» وحريته، ولم تستطع رتب المؤسسات أن تدجّن الحرف الساري في عروقه.

 

سيرة الحبر، مدارات المؤلفات، وهندسة الأسلوب

 

تنبع فرادة تجربة حسن إبراهيم سمعون الأدبية من ثنائية عجيبة جمعت بين طين ريف حمص (مسقط رأسه في «عين السودة» عام 1956) وبين الصرامة الهندسية؛ فالرجل الذي تخرج في الكلية التقنية لميكانيكا السيارات، وعمل طويلاً في مجال الإنشاءات المعدنية والمعدات الثقيلة، هو ذاته الأديب الذي شُغف بالأدب العربي في جامعة البعث. هذا التكوين التقني لم يقيّد حرفه، إنما منحه بناءً شعرياً متماسكاً كالبازلت، وغذّته قراءاته المعمقة ومكتبته الفاخرة التي تجاوزت الحدود الأكاديمية الضيقة لتصنع منه باحثاً موسوعياً.

 

هذا النهم المعرفي أثمر نتاجاً غزيراً يتجاوز بكثير ما نُشر له في دواوينه المطبوعة، مثل «إمضاء على الشاهد»، و«مقامات التاسوعاء»، و«الأفق المكسور»؛ إذ تضيق خزائنه بأوراق مخبأة تفيض بمئات القصائد والدواوين والمسودات غير المنشورة، فضلاً عن نتاجه المسرحي والنقدي، كمسرحية «الزئير» التي قُدّمت لصالح مديرية المسارح والموسيقى. ولم يقف عطاؤه عند حدود ذاته، حيث تحوّل إلى محرّك للمشاريع الأدبية الجماعية العروبية، متجلياً في تأسيسه لـ«الديوان الألفي» لأجل فلسطين، ومشروع «الديوان السوري المفتوح» لتوثيق الصوت الإنساني في مواجهة الوجع.

 

أما عن فلسفته الأسلوبية، فإن كتابة حسن سمعون تقوم على التمرد الفكري الواعي، المشحون بالجرأة في مقارعة المسلّمات ومحاكمة سطوة رجال الدين والسياسة وهرطقاتهم، والانتصار للحقيقة الإنسانية الخالصة. ويتنقل الشاعر بمرونة رشيقة بين فخامة الشعر العمودي الكلاسيكي ببحوره الخليلية الرصينة، وبين شعر التفعيلة، مكرساً في كليهما البناء التصويري المشهدي. إنه لا يكتب الكلمة مجردة، بل يستنطق من خلالها الفنون؛ تماماً كما فعل حين منح لوحتي «حارسة البحر» وتاريخها الفينيقي صوتاً، وحوّل ضربات ريشتي الزيتية إلى وثيقة طينية بازلتية تتحدى عار الرمال وتواجه زيف الروايات الطارئة.

 

خاتمة

 

إن الكتابة عن حسن سمعون هي تحية لإنسان شاركنا الطفولة والوعي والتراب.

 

وتبقى قصيدته المخطوطة تكريماً لـ«حارسة البحر» وتاريخ الفينيقيين، دليلاً على أن ريشتي وحرفه ينتميان إلى ذات المنبع الطيني والبازلتي الأصيل الذي لا تجرفه رمال الزمن.

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هوى سوري.. الشجن الأبدي من حكايات طرطوس العتيقة بصوت إيناس لطوف وموسيقا مهدي إبراهيم

​بقلم: علي نفنوف     أخذني الحنين لأكتب عن بعد..من هنا من دبي عاصمة النور مقالاً..عن شخصين غاليين على قلبي كما هما على قلوب أهل ...