سبتة ومليلية مدينتان على السواحل الشمالية لأفريقيا، متصلتان بالبرّ المغربي جغرافيا، لكنهما تتمتعان بالحكم الذاتي تحت السيادة الإسبانية، وتشهدان نزاعا جيوسياسيا وتاريخيا بين المغرب وإسبانيا.
تعود جذور قضية سبتة ومليلية إلى قرون من الصراع، ومع مرور الوقت تطورت من نزاع ذي جذور تاريخية إلى خلاف سياسي ودبلوماسي مستمر، فضلا عن واقع جيوسياسي تنشط فيه عمليات التهريب والهجرة والتجارة غير النظامية، مما فرض تعزيز التعاون بين المغرب وإسبانيا لمواجهة هذه المشكلات.
شهدت مدينة سبتة في يوليو/تموز 2026 واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية في تاريخها، بعدما تدفق إليها نحو 60 ألف مهاجر -توفي ما لا يقل عن 67 منهم أثناء العبور- في أيام قليلة، مما تسبب في أزمة دولية، ودفع السلطات الإسبانية لإعلان حالة طوارئ إنسانية واجتماعية واستدعاء الجيش لدعم قوات الأمن في ضبط الحدود، وعززت السلطات المغربية إجراءاتها الحدودية، مما أسفر عن عودة أكثر من 48 ألفا منهم.
.

جذور القضية
تعود جذور قضية سبتة ومليلية إلى قرون من الصراع الديني والسياسي، إذ ارتبطت بحروب الاسترداد التي شهدها القرن الخامس عشر الميلادي، عندما استغلت البرتغال وقشتالة تراجع الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية للتوسع على السواحل المغربية وإقامة قواعد عسكرية فيها.
ففي عام 1415 للميلاد سقطت سبتة في يد البرتغاليين، بينما خضعت مليلية للسيطرة الإسبانية عام 1497، وذلك في سياق التوسع الأوروبي الذي أعقب سقوط غرناطة عام 1492.
وشهدت سبتة لاحقا تحولا في السيادة، عندما انتقلت من البرتغال إلى إسبانيا بعد اتحاد العرشين عام 1580، ثم أصبحت المدينة رسميا تحت السيادة الإسبانية بموجب معاهدة لشبونة عام 1668.
ولم تتوقف محاولات المغرب استرجاع المدينتين، فقد حاصر السلطان إسماعيل بن الشريف -ثاني سلاطين الدولة العلوية– وقواته مدينة سبتة في القرن السابع عشر (1693) دون أن يتمكن من استعادتها، ثم سعى السلطان محمد بن عبد الله (1770-1774) لسنوات دخول سبتة ومليلية من غير جدوى. وفي القرن الماضي، كان قائد ثورة الريف الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (1921-1926) في وضع عسكري يسمح له بدخول مدينة مليلية، لكنه أحجم عن ذلك. ومن داخل المدينتين، قاد السكان المسلمون عدة احتجاجات على السلطات الإسبانية.
وعقب استقلال المغرب عام 1956، طالبت المملكة باستعادة مدينتي سبتة ومليلية وجزرا صغيرة قبالة سواحلها -الجعفرية (إشفارن) وباديس والحسيمة (النكور) وتورة (ليلى)- واعتبرتها جميعا مناطق محتلة، وأكدت في عدد من المناسبات عدم تخليها عنها؛ لكنّ الأمم المتحدة، لم تسجل سبتة ومليلية ضمن لائحتها المعنية بإنهاء الاستعمار، ووصفتهما بأنهما تابعتان للنفوذ الإسباني.
استمرت سيادة إسبانيا على المدينتين، بل بادرت مدريد إلى تكريس الأمر الواقع من خلال قرار البرلمان الإسباني عام 1995 منحهما وضع الحكم الذاتي، باعتبارهما إقليمين مستقلين تحت السيادة الإسبانية.

هذا الواقع الجيوسياسي جعل المدينتين بؤرتين للتجارة غير النظامية وعمليات التهريب، ومعبرا للمهاجرين غير النظاميين والباحثين عن فرصة للجوء إلى القارة الأوروبية، مما فرض تعزيز التعاون بين المغرب وإسبانيا لمواجهة هذه المشكلات.
ومع مرور الوقت، تطورت القضية من نزاع ذي جذور تاريخية إلى خلاف سياسي ودبلوماسي مستمر. ومرّت بمحطات مؤثرة، من بينها اتفاق مدريد عام 1975، الذي ارتبط بالمفاوضات حول الصحراء، إلى جانب اتباع إسبانيا سياسات هدفت إلى ترسيخ وجودها في المدينتين وتعزيز طابعهما الإسباني. وفي المقابل، ظل المغرب متمسكًا بمطالبته باستعادتهما، لتبقى القضية من أبرز الملفات العالقة في العلاقات المغربية الإسبانية، وتتداخل مع ملفات إقليمية أخرى، وفي مقدمتها قضية الصحراء وأزمات الهجرة المتكررة.
عملت السلطات الإسبانية على تغيير معالم المدينتين لتوائم الجو الإسباني، وذلك بالترغيب عبر إغراء الشباب المغاربة من أهالي سبتة ومليلية بحمل الجنسية الإسبانية مقابل الاستفادة من منح التجنس، وتسهيلات أخرى كالحصول على عمل والإعفاء من الضرائب التجارية، أو بالترهيب أحيانا أخرى عبر التضييق ومنع بناء المساجد أو فتح الكتاتيب القرآنية.
كما قامت بتسييج المنطقة الفاصلة بين مليلية ومدينة الناظور المغربية عام 1998 بشريط مزدوج من الأسلاك الشائكة طوله ستة كيلومترات، بارتفاع يصل إلى أربعة أمتار.
موجة عبور 2026
في يوليو/تموز 2026، شهدت مدينة سبتة واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية في تاريخها، بعدما تدفق إليها نحو 60 ألف مهاجر من الأراضي المغربية في غضون أيام قليلة، وهو عدد يعادل نحو ثلثي سكان المدينة. وفي ذروة الأزمة، تمكّن نحو 49 ألف شخص منهم من العبور في غضون 24 ساعة فقط، ووصل المهاجرون -وغالبيتهم من الشباب- سباحة عبر البحر أو سيرًا على الأقدام.
وأسفرت موجة العبور هذه عن خسائر بشرية كبيرة، إذ انتُشل 67 جثمانًا من الجانب الإسباني، بعد أن لقي بعض المهاجرين حتفهم غرقًا، بينما توفي آخرون نتيجة التدافع ومحاولات تسلق السياج الحدودي.
وردًا على الأزمة، أعلنت السلطات الإسبانية حالة طوارئ إنسانية واجتماعية، واستدعت الجيش لدعم قوات الأمن في ضبط الحدود، ووصفت ما جرى بأنه اعتداء على السيادة الوطنية. وفي المقابل، عززت السلطات المغربية إجراءاتها الحدودية، ونشرت شاحنات مزودة بمدافع مياه لتفريق الحشود، كما نسقت مع إسبانيا عمليات إعادة فورية للمهاجرين الذين دخلوا بصورة غير نظامية، مما أسفر عن عودة أكثر من 48 ألفا منهم إلى المغرب.
وأثارت الأزمة تداعيات سياسية واسعة داخل الاتحاد الأوروبي، ودفعت بعض الدول إلى المطالبة بتشديد الرقابة على الحدود الخارجية، كما أعادت الجدل بشأن قدرة إسبانيا على حماية حدود الاتحاد الأوروبي.
وتُعزى هذه الموجة إلى مجموعة من العوامل، أبرزها انتشار شائعات عن فتح الحدود، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة في المغرب، وهو ما دفع أعدادًا كبيرة من الشباب إلى محاولة الوصول إلى الأراضي الأوروبية. وقد أعادت هذه الأحداث إلى الأذهان أزمة عام 2021، لكنها فاقت تلك الأزمة من حيث حجم التدفق وتعقيداتها الأمنية والسياسية.

سبتة
مدينة متصلة بالمغرب جغرافيا، لكنها تتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الإسبانية، ولا يزال المغرب يطالب باسترجاعها.
الموقع والسكان
تقع مدينة سبتة في أقصى شمال المغرب، عند موقع استراتيجي على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الذي يحيط بها من ثلاث جهات، ويقابلها في الضفة الأخرى مضيق جبل طارق، وتبعد عن أقرب نقطة في الساحل الجنوبي لإسبانيا 26 كيلومترا.
تبلغ مساحة المدينة حوالي 19 كيلومترا مربعا، ويبلغ عدد سكانها وفقا لإحصاءات 2025 حوالي 84 ألف نسمة من مسلمين ومسيحيين، مع وجود أقلية يهودية وهندوسية.
التاريخ
بنيت مدينة سبتة على أنقاض مستعمرة فينيقية عرفت قديما باسم إبيلا، ويروى أسطوريا أنها أحد أعمدة هرقل. وقد وقعت تحت سيطرة القرطاجيين في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم ضمتها الإمبراطورية الرومانية سنة 40 قبل الميلاد.
ذكر ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان أنها مدينة حصينة مشهورة في بلاد المغرب، تقابل الأندلس، وأن مرساها أجود مرسى على البحر، وكانت منطلقا لوصول جيش طارق بن زياد إلى الأندلس. وقد تناوب عليها حكام المغرب والأندلس وقشتالة.
احتلتها البرتغال عام 1415، ثم آلت إلى إسبانيا عام 1580. وقد تعددت محاولات المغرب استعادتها دون جدوى، واعتبرتها منطقة محتلة، وأكدت في عدة مناسبات عدم تخليها عنها. لكنّ الأمم المتحدة، لم تسجلها ضمن لوائح إنهاء الاستعمار، ووصفتها بأنها تتبع للنفوذ الإسباني.

الاقتصاد والمعالم
تشرف سبتة على مجال بحري مهم، وتعرف ازدهارا في الحركة التجارية التي يعدّ المغرب سوقا رئيسة لها، من خلال قنوات تهريب البضائع ذات الكلفة المنخفضة، إلا أن بناء ميناء طنجة المغربي بالقرب منها أثر سلبا على حركة المدينة التجارية، ومع ذلك فهي تستفيد من تصنيفها في إسبانيا منطقة منخفضة الضرائب.
يلعب ميناء المدينة دورا مهما باستقباله أعدادا كبيرة من السفن التجارية والعبّارات، كما يعتمد اقتصاد المدينة -بالإضافة إلى ما سبق- على حيوية قطاع الصيد البحري إلى حد كبير.
تزخر سبتة بالعديد من المعالم التاريخية التي توثق تعاقب الحضارات والإمبراطوريات عليها، ومن هذه المعالم الأسوار الملكية وخندق سان فيليبي وكاتدرائية سبتة وكنيسة سانتا ماريا دي أفريكا والحمامات العربية، كما تضم مجموعة من الحصون التي تعود إلى القرون الوسطى، ورصيفا ترسو فيه اليخوت والقوارب الصغيرة، ومسجد مولاي المهدي، فضلا عن بنى سياحية شاطئية.
أنجبت المدينة شخصيات تاريخية بارزة من أمثال القاضي عياض (476-544هـ) إمام أهل الحديث في وقته، والجغرافي المؤرخ الشهير محمد بن محمد الإدريسي (493-560هـ).
مليلية
مدينة متصلة بالمغرب جغرافيا، لكنها تمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الإسبانية، ولا يزال المغرب يطالب باسترجاعها.
الموقع والسكان
يرجع اسم مليلية إلى أصل أمازيغي، فهو مشتق من “تمليلت” الذي يعني “الأبيض”، نسبة إلى الحجر الأبيض المنتشر فيها.
وهي تقع شمال غرب المغرب، مقابل سواحل غرناطة وألميرية جنوب إسبانيا، وتجاور منطقة بني أنصار. ولا تبعد عن مدينة الناظور المغربية إلا عشرة كيلومترات شمالا، وتشكل امتدادا لمنطقة الريف المغربي على المستوى الجغرافي والأنثروبولوجي.
يبلغ عدد سكان المدينة حوالي 87 ألف نسمة بحسب إحصاء 2025، ويتوزعون على مساحة تبلغ 12.3 كيلومترا مربعا، وجلهم من المسلمين والمسيحيين، وفيها أقلية يهودية.
مسار التاريخ
في القرن السابع قبل الميلاد، احتل المدينة الفينيقيون، وتعاقب عليها القرطاجيون ثم مملكة موريتانيا القديمة ثم الرومان، ثم احتلتها إسبانيا عام 1497.
ومنذ احتلالها من قبل إسبانيا، لم تتوقف محاولات المغرب لاسترجاعها، كما أن سكان المدينة المسلمين نظموا فيها العديد من الاحتجاجات على السلطات الإسبانية.
واستمر الوضع القائم في المدينة، وبالرغم من استمرار المطالبة المغربية بها، فإن الأمم المتحدة لا تعدّها محتلة، وتصنفها ضمن النفوذ الإسباني.

الاقتصاد والمعالم
يعتمد اقتصاد مليلية -مثل سبتة- على الصيد البحري، وعلى حيوية قطاع النقل عبر المطار والميناء، كما تستفيد من فضاء التجارة الحرة، مما يجعلها منطلقا لحركة السلع المهربة نحو الشمال المغربي.
تزخر مليلية بمعالم أثرية وعمرانية قديمة، من أهمها القلعة التاريخية التي تعود إلى خمسة قرون سالفة وتحمل اسم “مليلية العجوز”، وتتميز بجدرانها الحجرية وأبوابها المقوسة وقناديلها المضيئة ومنارتها المطلة على جرف البحر.
وفي المدينة مسجد “الروشطرو” الذي بناه الجنرال فرانكو اعترافا بتضحيات المجندين المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية، وفيها أيضا الكنيسة العالية التي تتوسط القلعة القديمة وتعد من أقدم الكنائس.
syriahomenews أخبار سورية الوطن

