بقلم: المهندس حسان نديم حسن
تنشغل الأدبيات التنموية والاقتصادية، عند الحديث عن مستقبل سوريا، بمنطق “الخدمات والبنية التحتية”: كم نحتاج من مليارات الدولارات لإعادة الإعمار؟ وكيف يمكن تأمين خطوط إمداد الطاقة والمواد الأساسية؟ ورغم مصيرية هذه الأسئلة، فإنها تغفل الجانب الأهم في معادلة النهوض، والمتمثل في البنية التحتية غير المرئية، أي المنظومة التشريعية والإدارية.
إن أي تدفق مالي أو استثماري، محليًا كان أم خارجيًا، سيتجمد ويتحول إلى ريع مشلول ما لم يجد قنوات قانونية مرنة وبيئة إدارية كفؤة تستوعبه.
من هنا، لا تبدو الدعوة إلى “ثورة تشريعية وإدارية” في سوريا ترفًا فكريًا، إنما ممرًا إجباريًا للانتقال من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “التعافي المستدام”.
*الثورة التشريعية.. إعادة صياغة القواعد
تتميز البيئة القانونية في سوريا بعراقة أصولها، لكن هذه العراقة تحولت، خلال عقود، إلى عبء يُنتج “الفجوة التشريعية”.
القوانين الحالية باتت عاجزة عن مواكبة قفزات الاقتصاد العالمي، وتحتاج البدائل الترقيعية إلى استبدال نسقي شامل يركز على ثلاثة مفاصل:
1- ديناميكية بيئة الأعمال
رغم صدور قانون الاستثمار رقم (114) لعام 2025، فإن القوانين الرديفة التجارية والمصرفية والمالية لا تزال تكبل حركة رأس المال. فالثورة المطلوبة تعني نسف البيروقراطية في تأسيس الشركات، وحماية الملكيات الصغيرة، وعصرنة القوانين المصرفية لتسهيل حركة النقد الأجنبي بما يخدم الإنتاج والتصدير.
2- قوننة الاقتصاد الرقمي
يتحرك العالم اليوم في فضاء الذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، بينما لا تزال المنظومة المحلية تتعامل مع المعاملات الورقية بوصفها الأصل.
سوريا بحاجة إلى أطر قانونية صارمة لحماية البيانات، وتنظيم قطاع التكنولوجيا المالية، وتشريع الدفع الإلكتروني السلس، باعتباره ركيزة أساسية لجذب استثمارات التكنولوجيا.
3- الإصلاح القضائي كضامن ملزم
إن إصدار أفضل القوانين في العالم لا قيمة له دون قضاء مستقل وسريع ومتخصص. والثورة التشريعية تقتضي تحديث المنظومة القضائية، وتأهيل قضاة متخصصين في النزاعات التجارية والملكية الفكرية؛ لضمان الطمأنينة للمستثمر والمواطن على حد سواء.
*الثورة الإدارية.. تحديث الأداء وتحفيز الاستثمار
إذا كانت التشريعات تضع القواعد، فإن الجهاز الإداري هو الذي يطبقها. وهنا تكمن المعضلة الأكبر؛ فالترهل البيروقراطي، والتضخم الوظيفي الكمي، المقترن بنزيف الكفاءات النوعية، حوّل الإدارة العامة إلى عائق أمام التنمية بدلًا من أن تكون محركًا لها.
وتتطلب النهضة الإدارية الجرأة في مواجهة ملفات رئيسية:
1- إعادة تأهيل الوظيفة العامة ورأس المال البشري
الثورة الإدارية تبدأ من إعادة هيكلة الأجور وربطها بالواقع المعيشي، بالتوازي مع تقليص التضخم الوظيفي غير المنتج، والتحول إلى ثقافة “إدارة المواهب والجدارة” بدلًا من التوظيف الروتيني.
2- إعادة هندسة الإجراءات الرقمية
التحول الرقمي الحقيقي ليس “أرشفة الورق”، أو تحويل المعاملة إلى صيغة إلكترونية مع الإبقاء على الدورة المستندية نفسها، والأختام والتواقيع ذاتها. المطلوب هو إلغاء الخطوات غير الضرورية أولًا، ثم أتمتة الخدمة بالكامل لتقديمها “عن بُعد”، بما يقطع قنوات الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وهو الترياق الأنقى لإنهاء الفساد الصغير.
3- معضلة اللامركزية.. لماذا تتعثر الإدارة المحلية؟
الإدارة المحلية الحقيقية تعطي مجالس المحافظات والبلديات صلاحيات تنموية وخدمية واسعة، لكنها كانت دائمًا تصطدم بحواجز، أبرزها:
• المقاومة البيروقراطية المركزية: رفض الوزارات في العاصمة التنازل الفعلي عن صلاحياتها وموازناتها لصالح الوحدات المحلية، مما أبقى قرار المحافظات مرتهنًا لبيروقراطية المركز.
• التبعية المالية الخانقة: فاللامركزية، من دون استقلال مالي، هي واجهة بلا مضمون؛ إذ تفتقر المجالس المحلية إلى الملاءة المالية المستقلة، وتعتمد على ما تقدمه الموازنة المركزية، لعدم وجود تشريعات تتيح لها الاحتفاظ بالضرائب والرسوم المحلية واستثمارها مباشرة.
ولتجاوز هذا التعثر، يجب تعديل القوانين المالية الملحقة، بما يسمح للبلديات بالاحتفاظ بنسب من عوائدها المحلية، وحسم التداخل التشريعي، ومنح المجالس المنتخبة سلطة تنموية حقيقية تتفوق على السلطة المركزية في الملفات الخدمية والاستثمارية.
دروس من تجارب دولية
الحلول متاحة دائمًا، والتاريخ القريب يقدم نماذج لدول واجهت أزمات هيكلية أو حروبًا مدمرة، وقادت انتقالًا إداريًا ناجحًا:
1- بولندا (اللامركزية المالية)
بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، منحت بولندا الوحدات المحلية استقلالًا ماليًا كاملًا، وحق الاحتفاظ بضرائب الدخل والعقارات، فتحولت البلديات إلى ورش عمل ذاتية التمويل، دون انتظار العاصمة.
2- رواندا (الحوكمة الرقمية وعقود الأداء)
بعد الحرب الأهلية، ألزمت رواندا مسؤوليها المحليين بـ”عقود أداء” سنوية علنية، تُقاس مستهدفاتها بالنتائج: كم طريقًا رُصف؟ كم مدرسة بُنيت؟ ومن يفشل يُقال فورًا. كما أطلقت منصة حوّلت الخدمات الحكومية إلى فضاء رقمي بالكامل.
3- فيتنام (التنافسية الإقليمية)
اعتمدت فيتنام نظام “مؤشر التنافسية الإقليمي”، حيث تتنافس المحافظات في تبسيط الإجراءات وجذب الاستثمارات، وتُمنح المحافظة الأكثر مرونة مزايا تفضيلية، مما خلق ديناميكية اقتصادية هائلة.
خاتمة
إن الثورة التشريعية والإدارية المتكاملة في سوريا هي الصدمة الإيجابية المطلوبة لإعادة الثقة في البيئة الاستثمارية والخدمية.
كما أن توزيع الأعباء عبر لامركزية مالية حقيقية، وضبط الأداء من خلال الحوكمة الرقمية، يمثلان الركائز الأساسية التي ستحول القوانين من نصوص جامدة في الجريدة الرسمية إلى عجلات حقيقية تدير مصانع التعافي والبناء

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

