بقلم: علي نفنوف
دبي
لم تتح لي فرصة حضور إحدى أمسيات كورال نهاوند، ولم تجمعني بالفنانة حلا نقرور معرفة شخصية أو حوار مباشر، وربما كان البعد الجغرافي ووجودي خارج البلاد سببًا في ذلك. لكن بعض الفنانين لا يحتاجون إلى لقاء كي نقترب منهم؛ يكفي أن نتابع أثرهم، وأن نصغي إلى ما يقدمونه، وأن نقرأ تجربتهم بعين المحبة والإعجاب.
أكتب عن حلا نقرور وكورال نهاوند، لا من موقع الشاهد على المسرح، إنما من موقع المتأمل الذي يرى في الفن قيمة تتجاوز الحضور المكاني. فهناك تجارب تصل إلينا قبل أن نصل إليها، وتترك في الروح أثرًا قبل أن نلتقي بأصحابها.
تجربة نهاوند، بالنسبة لي، ليست مجرد فرقة غنائية تقدم حفلات، بل هي مشروع فني يحمل سؤالًا عميقًا: كيف يمكن للصوت أن يحفظ ذاكرة وطن؟ وكيف يمكن للغناء الجماعي أن يعيد الإنسان إلى علاقته الأولى بالجمال؟
*حلا نقرور… مسيرة بين الترتيل والمقام
تقف خلف هذه التجربة شخصية فنية تمتلك تكوينًا خاصًا؛ فحلا نقرور لم تأتِ إلى الغناء من باب الموهبة وحدها، بل جاءت عبر رحلة معرفية جمعت بين أكثر من فضاء موسيقي وروحي. فقد درست الترتيل البيزنطي بشكل احترافي في دير البلمند، ثم تابعت دراستها الأكاديمية في مجال الغناء الشرقي في جامعة الروح القدس – الكسليك في لبنان.
وهذا التكوين المزدوج منح تجربتها خصوصيتها؛ فهي تقف عند نقطة التقاء بين روح الكنيسة الشرقية، وعمق المقام العربي، ودقة التدريب الأكاديمي. لذلك يبدو صوتها ومشروعها وكأنهما يحملان ذاكرة المشرق بكل تنوعه؛ ذاكرة المدن القديمة، والتراتيل، والموشحات، والأغنية الشعبية، والموسيقى التي عبرت القرون ولم تفقد قدرتها على التأثير.
*نهاوند… فلسفة الصوت الجماعي
اختيار اسم “نهاوند” يحمل دلالة موسيقية وجمالية؛ فالمقام ليس مجرد سلم لحني، بل هو حالة شعورية كاملة، تتراوح بين الحنين والصفاء والتأمل. وكأن الاسم يعلن هوية المشروع منذ البداية: العودة إلى جذور الموسيقى الشرقية، ولكن بروح معاصرة.
في عالم أصبحت فيه الأغنية مرتبطة غالبًا بالصوت الفردي وبصناعة النجومية، يأتي الكورال ليقدم فكرة مختلفة؛ فكرة أن الجمال قد يولد من الانسجام لا من التفرد. الصوت هنا لا يلغي الآخر، بل يكتمل به. وكل مغنٍ يصبح جزءًا من لوحة أكبر، كما تصبح النقطة الصغيرة جزءًا من جمال اللوحة التشكيلية.
وهذا ما يجعل تجربة الكورال قريبة من الفنون التي أحبها؛ فكما يبحث الفنان التشكيلي عن علاقة اللون باللون، يبحث قائد الكورال عن علاقة الصوت بالصوت، وعن المسافة الخفية التي تصنع التناغم.
*حفظ التراث لا يعني تكراره
تكمن أهمية نهاوند في أنها لا تتعامل مع التراث على أنه ماضٍ مغلق، إنما طاقة حية قابلة للتجدد. فالقدود والموشحات والأعمال الشرقية، حين تنتقل إلى فضاء الكورال، تكتسب بعدًا جديدًا؛ إذ تتحول من تجربة فردية إلى حالة جماعية، ومن أغنية تُسمع إلى ذاكرة تُعاش.
إن أخطر ما يواجه التراث هو أن يتحول إلى قطعة محفوظة في متحف، أما قيمته الحقيقية فتظهر عندما يبقى قادرًا على مخاطبة الإنسان المعاصر.
*الكورال كرسالة تربوية وإنسانية
من أجمل ما في تجربة نهاوند حضور الأجيال الجديدة فيها؛ فالكورال ليس منصة أداء، إنما مساحة تربوية يتعلم فيها الأطفال والشباب معنى الإصغاء، والانضباط، والعمل المشترك.
الغناء الجماعي يعلّم الإنسان أن صوته مهم، لكنه ليس الصوت الوحيد. وهذه قيمة إنسانية كبيرة في زمن تزداد فيه الفردية والانغلاق.
*بين حلا نقرور وهوية الموسيقى السورية
يمكن قراءة تجربة حلا نقرور باعتبارها محاولة لاستعادة جانب أصيل من شخصية الموسيقى السورية؛ تلك الشخصية التي لم تكن يومًا أحادية، بل قامت على التعدد والتجاور: بين الشرق والغرب، وبين الروحي والدنيوي، وبين الفرد والجماعة.
إنها لا تبحث عن استعادة الماضي كما كان، بل عن فتح حوار بين الماضي والحاضر. وهذا هو الدور الحقيقي للفنان: ألا يكون حارسًا للتراث فقط، إنما صانعًا لاستمراره.
*خاتمة
قد لا أكون جلست في مقعد من مقاعد جمهور نهاوند، لكن الفن الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى مسافة قريبة كي يصل. أحيانًا يكفي أن يصل الصوت إلى القلب، وأن يترك خلفه سؤالًا، وجمالًا، ودهشة.
لهذا أقرأ تجربة كورال نهاوند بعين المحبة؛ لأنها تذكرنا بأن الموسيقى ليست مجرد أصوات مرتبة، إنما هي ذاكرة الإنسان حين تبحث عن لغة لا تشيخ.
مع كل الأمنيات بالتوفيق الدائم والتألق، للفنانة الفينيقية القلب، السورية الجمال حلا نقرور

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

