بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
تقف سورية اليوم أمام مفترق طرق، وما يُتخذ من قرارات في هذه المرحلة لن يرسم ملامح السلطة القادمة فحسب، بل سيحدد شكل الدولة لأجيال قادمة.
ويبدو أن سورية تتنازعها أربعة احتمالات رئيسية، يختلف كل واحد منها في نتائجه وآثاره على حاضر البلاد ومستقبلها.
الاحتمال الأول: إقامة دولة مدنية تعددية
يقوم هذا الاحتمال على بناء دولة المواطنة وسيادة القانون، من خلال إنشاء مؤسسات عامة حديثة تُحدَّد فيها مواصفات كل وظيفة وشروط شاغلها بما يتوافق مع طبيعتها ومسؤولياتها، ويكون معيار التعيين والترقية قائماً على الكفاءة والخبرة والنزاهة، وفق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، بعيداً عن أي شكل من أشكال التمييز بسبب الدين أو القومية أو الطائفة أو المنطقة أو الانتماء السياسي، بما يرسخ مفهوم المواطنة المتساوية ويضمن المساواة أمام القانون.
الاحتمال الثاني: تقاسم السلطة على أساس المحاصصة
يقوم هذا النموذج على توزيع مؤسسات الدولة ومناصبها وفق الانتماءات العرقية أو الدينية أو المذهبية، بدلاً من اعتماد مبدأ المواطنة والكفاءة.
وقد يبدو هذا الخيار للبعض وسيلة لطمأنة المكونات المختلفة، إلا أن التجارب أثبتت أن المحاصصة لا تلغي الانقسام، بل تضفي عليه صفة دستورية، وتجعل الانتماء إلى الجماعة مقدماً على الانتماء إلى الوطن.
وفي ظل هذا النموذج، تتنافس الجماعات على اقتسام الدولة، وتتحول مؤسساتها إلى ساحات لتوازنات سياسية وطائفية، الأمر الذي يضعف كفاءة الإدارة، ويزيد من فرص الفساد، ويجعل كل استحقاق سياسي سبباً لأزمة جديدة.
الاحتمال الثالث: تقسيم سورية إلى كانتونات متناحرة
يقوم هذا الاحتمال على تحول سورية إلى مجموعة من الكيانات المنفصلة، لكل منها سلطتها وأجهزتها وقوانينها، مع استمرار حالة العداء أو التنافس فيما بينها.
وقد يبدو هذا الخيار للبعض حلاً مؤقتاً، لكنه في الحقيقة يؤسس لصراعات طويلة الأمد، ويحول البلاد إلى ساحة نزاعات دائمة تستنزف مواردها، وتمنع قيام دولة مستقرة وقادرة على تحقيق الأمن والتنمية.
الاحتمال الرابع: توزيع سورية بين دول الجوار
قد يبدو هذا الاحتمال بعيداً، لكنه يصبح أكثر قابلية للتصور كلما ضعفت الدولة المركزية، واستمر الانقسام الداخلي، وتزايد النفوذ الخارجي.
فالدول الضعيفة تفتح المجال أمام القوى الإقليمية لتوسيع نفوذها السياسي أو الأمني أو الاقتصادي على أراضيها، ثم يتحول هذا النفوذ، مع مرور الزمن، إلى واقع دائم، فتفقد الدولة استقلال قرارها، ويتراجع مفهوم السيادة الوطنية.
أي الاحتمالات هو الأفضل لسورية؟
يبقى الخيار الأول هو الأكثر أمناً وعدلاً واستدامة، وهو الأقرب إلى تطلعات غالبية السوريين في بناء دولة عصرية تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والعدالة، وتكافؤ الفرص، بعيداً عن أي تمييز أو إقصاء.
ومن خلال هذا النهج يمكن صون وحدة سورية، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتهيئة البيئة اللازمة للتنمية وإعادة الإعمار، لتكون سورية وطناً يتسع لجميع أبنائه، لا غلبة فيه إلا للقانون، ولا امتياز فيه إلا للكفاءة والاستحقاق.
أما الخيارات الأخرى، فقد تبدو للبعض حلولاً سريعة أو تسويات مرحلية، لكنها في حقيقتها لا تعالج جذور الأزمة، بل تؤجلها وتعيد إنتاجها بصور أكثر تعقيداً. فهي تحمل في طياتها بذور انقسامات وصراعات جديدة تهدد وحدة البلاد، وتعرّض أمنها واستقرارها للخطر، وترهن مستقبل الأجيال القادمة.
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
