يوسف فارس
تجاوز جيش الاحتلال، خلال اليومين الماضيين، سلّم التصعيد المعتاد، قافزاً نحو ذروة السلوك الإبادي؛ إذ دمّر في أربع غارات من الطائرات الحربية عشرات المنازل في مدن وسط قطاع غزة ومخيّماته، والتي ظلّت، حتى وقت قريب، الناجية نسبياً من كباش الخراب الذي أتى على مناطق شمال القطاع وجنوبه. ويصف أبو مصعب بركة، وهو أحد سكان منطقة البروك في دير البلح الواقعة في الوسط، ما عاشه الأهالي ليل الأربعاء – الخميس بأنه «عودة للحرب». ويقول، في حديثه إلى «الأخبار»: «حتى في ذروة عامين من حرب الإبادة، لم تشهد دير البلح غارات ودماراً بحجم ما عشناه ليلة أمس»، لافتاً إلى أن «حيّاً سكنياً فيه مئات المنازل المتراصّة دُمّر في غمضة عين». ويضيف: «تلقّينا إنذاراً بالإخلاء بدعوى قصف منزل واحد، فأخلت مئات العائلات منازلها. ثمّ دوّى انفجار هائل، وحين عدنا إلى المنطقة، فوجئنا بالكارثة التي حلّت في المكان»، مستدركاً بأن الاحتلال استخدم قنابل تفوق بكثير حجم الهدف المراد تدميره، «وكأن القصد كان تسوية الحيّ بأكمله بالأرض بذريعة قصف منزل واحد. أكثر من عشرين منزلاً دُمّرت بالكامل، فيما تصدّعت عشرات الأبنية المحيطة وخربت بشكل جزئي».
ولم تكن دير البلح وحدها هدفاً لهذا النمط من القصف؛ إذ تَكرّر المشهد نفسه في مخيّمات النصيرات والمغازي، حيث تلقّى السكان إنذارات بإخلاء مربّعات سكنية كاملة، قبل أن تتعرّض لغارات مماثلة تسبّبت في خراب عشرات المنازل. والجدير ذكره، هنا، أن المنطقة الوسطى التي تضمّ دير البلح والنصيرات والبريج والمغازي -إلى جانب بلدات أخرى-، لم تشهد طوال مدة الحرب عملية برّية واسعة على شاكلة ما تعرّضت له مدينة غزة ومناطق الشمال والشرق التي تضمّ أحياء الشجاعية والزيتون والتفاح والدرج، ومخيم جباليا ومدينتَي بيت حانون وبيت لاهيا اللتَين دُمّرتا بشكل شبه كلي، أو حتى مدينتي خانيونس ورفح ومخيمات اللاجئين في الجنوب. ولذلك، يبدو أن تركيز القصف الجوي حالياً على مناطق الوسط يهدف إلى استكمال تدمير ما تبقّى من كتلة عمرانية قابلة للحياة في القطاع.
في غضون ذلك، شهدت المناطق الشرقية المحاذية لما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، افتتاح محور تصعيد آخر. فبعد ليلة من القصف المدفعي الكثيف وإطلاق النار العشوائي على أحياء الزيتون والشجاعية، استيقظ الأهالي، صبيحة اليوم التالي، ليجدوا أن المكعبات الصفراء قضمت المناطق التي يعيشون فيها، وذلك بعدما دفع جيش الاحتلال حدود «الخط الأصفر» مئات الأمتار إلى الغرب.
تفاجأ أهالي أحياء الزيتون والشجاعية بقضم المكعبات الصفراء للمناطق التي يعيشون فيها
ويقول أحمد حسب الله، وهو من سكان حي الشجاعية، في حديثه إلى «الأخبار»، إن «المكعبات الصفراء وُضعت بالقرب من مفترق الشجاعية، وكذلك عند منطقة مفترق دولة في حيّ الزيتون، ما يعني عملياً أن شارع صلاح الدين، وهو الطريق الشرقي الرئيس الذي يربط شمال القطاع بجنوبه، أضحى «منطقة صفراء» يُحظر الوصول إليها». وبالتالي، فإن المناطق المحيطة بـ«الخط الأصفر»، أي التي تصنَّف على أنها «برتقالية» يُمنع وصول المؤسّسات الإغاثية إليها، تحوّلت إلى مناطق غير آمنة.
ومن جهته، يفيد محمد كشكو، الذي يسكن حيّ الزيتون، بأن مئات الأسر في الحيّ اضطرّت إلى النزوح خلال الليل تحت وطأة القصف المدفعي وإطلاق النار، قبل أن يعود بعضهم مع هدوء الأوضاع. ويضيف، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «فرصة البقاء في المنطقة تقلّ، ذلك أن كلّ منطقة قريبة من «الخط الأصفر» تصبح مستهدَفة بالقصف وإطلاق النار العشوائي، في وقت يهدّد فيه استمرار إزاحة هذا الخطّ بقضم المزيد من الأراضي، وتواصل مسلسل النزوح والتهجير الذي ظننّا أنه انتهى بوقف الحرب». وكانت ذكرت صحيفة «معاريف» أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أبلغت رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أنها أتمّت السيطرة على نحو 67% من مساحة غزة، فيما الوصول إلى نسبة 70%، وهي التي سبق لنتنياهو أن حدّدها هدفاً، «سيتحقق قريباً».
أمّا التطور الأخطر الذي يحمل أبعاداً ديموغرافية وسياسية خطيرة، فقد شهدته مدينة رفح، حيث أقدم جيش الاحتلال، أخيراً، على بناء جدار من الكثبان الرملية وإقامة بوابة حديدية في منطقة الشاكوش، في وقت أُطلقت فيه حملة إعلامية إسرائيلية لترويج سيناريوات ذات بعد نفسي؛ إذ نشرت مثلاً صفحات ضباط المخابرات صوراً للبوابة الجديدة، مع عبارات من نحو: «شباب حماس والجهاد… رفح بانتظاركم». كما استعادت تسريبات عبرية أخرى الحديث عن مخطّطات لتقسيم القطاع إلى مناطق آمنة «خضراء» تَحكمها المليشيات، وأخرى تَحكمها حركة «حماس».
ولا يشير هذا الضغط الميداني، المترافق مع مجازر لم تتوقّف على مدار الساعة، إلى حساسية المشهد الانتخابي الداخلي الذي لا يعطي الأفضلية لنتنياهو فقط، إنما يستبطن رغبة في صناعة وقائع على الأرض، عميقة التأثير وبعيدة المدى. ويأتي ذلك بالاستفادة من حال التجاهل الدولي لبنود اتفاق «وقف إطلاق النار»، الذي يفرض على الاحتلال التزامات متعدّدة، من بينها سحب قواته تدريجياً من المناطق التي دخلها.
أخبار سوريا الوطن١-الاخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

