كتب: المهندس نضال رشيد بكور
في عمق الكارثة تتبدى المفارقة الأكثر رعباً في تاريخ الأخلاق، وهي أن الانهيار الأكبر لا يحدث بفعل شحّ الموارد، بل بفعل غياب الضمير الإنساني وتوحّش الجشع.
حين يُقال إن المجتمع الذي يستثمر في الفزع، ويرفع أسعار السلع الأساسية بمجرد شعوره بضيق حاجة الناس، هو مجتمع مأزوم، فإن هذا لا يصف واقعاً اقتصادياً فحسب، بل يضع الإصبع على أعمق التشوهات الأخلاقية.
تبدأ الأزمة الحقيقية عندما يختل ميزان الأخلاق، فيصبح للإنسان ولآلامه وحاجاته الأساسية سعر، في حين تُستغل المبادئ النبيلة لتصير مجرد أدوات لتحقيق أرباح طائلة.
إن المتاجرة بالقيم في أوقات الأزمات تمثل قمة السقوط الأخلاقي. فالجشع هنا لا يرى في الضيق سبيلاً للتراحم والتقارب، بل يراه مجرد “فرصة يشتد عليها الطلب”.
هذا التحول يُسقط المجتمع في فخ “موت الإنسانية”،حيث تفقد القيم جوهرها الحقيقي كرباط يجمع البشر، وتتحول إلى غطاء لتبرير الظلم والاستغلال.
فهل نحن أمام أزمة لقمة العيش أم أزمة أخلاق؟
إن التجارة لا يمكن أن تنفصل عن التعاطف البشري، والأسواق التي تفتقر إلى الرحمة تقود الجميع إلى الهلاك.
عندما يغيب الانضباط الأخلاقي عن المعاملات اليومية، يتحول المجتمع من بنيان متماسك إلى غابة متوحشة، يُفرَّغ فيها مفهوم “الربح الحلال” من روحه، ليصبح مجرد مظهر شكلي خالٍ من مخافة الله والوجدان.
إن استغلال الإنسان في قوته الضروري ورغيف خبزه ليس مجرد طمع عابر، بل هو هدم للمجتمع وتفكيك لروابطه.
في هذه اللحظة يتوقف المجتمع عن كونه موطناً للرحمة، ويتحول إلى ساحة للاقتناص، حيث تُترجم المعاناة الإنسانية فوراً إلى أرقام في حسابات الأرباح.
في المقابل، فإن العودة إلى السماحة والتضامن ضرورية، فالأخلاق الأصيلة تتجلى كطوق نجاة يعيد بناء المجتمع التكافلي.
والتوجيهات التي تحث على أن يكون المرء سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى، هي في جوهرها دعوة لتأسيس “اقتصاد الرحمة”.
السماحة هنا ليست خسارة مادية، بل هي موقف قيمي واعٍ يدرك أن البركة هي البُعد الروحي للرزق، وأن الصدق والوضوح هما الضمانة الوحيدة لحفظ المجتمع من التآكل.
فالتجارة في أصلها فعل منفعة متبادلة، وليست أداة لإفقار الآخر وإيذائه.
في الختام
إن مواجهة جشع الأسواق وغياب الأخلاق لا تكون بالقوانين الجافة وحدها، بل بإعادة إحياء الوجدان الإنساني وصيانة روح الأخوة.
وكما أن كتمان الحقيقة والكذب يمحقان بركة الرزق، فإن غياب الضمير يمحق بركة الحياة بأسرها.
جمعة مباركة بإذن الله تعالى لأصحاب القلوب الرحيمة، الذين يبقون السند الحقيقي للإنسان في أحلك ظروفه
تقبّل الله طاعتكم.
(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
