بقلم:القاضي حسين حمادة
ليس من الصعب على الناس أن يكتشفوا فساد الأفراد، فله علامات لا تخطئها العين. عندما يكون شخص ما بالأمس عاملًا بسيطًا أو موظفًا محدود الدخل، ثم يتحول خلال سنوات قليلة إلى مالك لشركات قابضة، وعقارات فاخرة، وأرصدة مصرفية ضخمة، فإن السؤال عن مصدر هذه الثروة يشكل حقًا مشروعًا وواجبًا وطنيًا.
وعندما يعجز صاحب الثروة عن تقديم تفسير منطقي ومقنع لمصادر أمواله، فإن الشك يصبح مشروعًا، والمساءلة تصبح واجبًا.
فالثورات لا تُقام ليصبح الفقراء أثرياء بطرق غامضة، ولا تُقدَّم التضحيات الجسام لتنتقل الثروة والسلطة من أيدي فاسدين إلى أيدي فاسدين جدد.
لكن فساد الفرد، مهما بلغ حجمه، يبقى أقل خطرًا من فساد الدولة. فالفرد الفاسد لا يستطيع وحده أن ينهب أو يسيطر أو يتمدد إلا إذا وجد من يفتح له الأبواب، ويمنحه الشرعية، ويقدمه للناس على أنه نموذج للنجاح أو رمز من رموز المرحلة.
هنا يبدأ فساد الدولة.
عندها تتحول المناصب العامة إلى مكافآت لأصحاب المال المشبوه، و تُمنح المواقع القيادية لمن تحيط بهم علامات الاستفهام بدل أن تُفتح بحقهم ملفات التحقيق. عندما يصبح القرب من السلطة أهم من الكفاءة، وحجم الثروة أهم من النزاهة، والولاء للأشخاص أهم من الولاء للقانون.
إن الدولة التي تستقطب أصحاب النفوذ المالي المشبوه وتُشركهم في إدارة الشأن العام لا تحارب الفساد، بل ترعاه. وهي لا تبني مؤسسات وطنية، بل تبني شبكة مصالح متداخلة يصبح بقاؤها مرهونًا بحماية الفاسدين وحماية الفاسدين لها.
وعندما يصل الفرد والمجتمع والدولة إلى هذه المرحلة، تتبدل المعايير. فبدل أن يكون القدوة هو العالم أو النزيه أو الشريف، يصبح القدوة هو صاحب النفوذ والثروة السريعة مهما كانت مصادرها.
الخلاصة
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وجود بعض الفاسدين فيها، بل أن يصبح الفاسدون جزءًا من بنيتها السياسية والإدارية والاقتصادية. ففساد الفرد قد يسرق مالًا أو حقًا، أما فساد الدولة فيسرق مستقبل وطن بأكمله.
ولهذا فإن مكافحة الفساد لا تبدأ من ملاحقة صغار الفاسدين، بل من إغلاق أبواب السلطة أمامهم، وتجريد المال المشبوه من النفوذ، وإخضاع الجميع دون استثناء لمعايير الشفافية والمحاسبة وسيادة القانون. فالدول لا تنهار عندما يظهر فيها الفاسدون، وإنما تنهار عندما يصبح الفاسدون هم من يديرونها.
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

