متابعة هيثم يحيى محمد
من صافيتا إلى دمشق، حمل كورال «حنين» صوته الجماعي وتجربته الموسيقية ليشارك في فعاليات «أسبوع الفن السوري»، في حضور فنانين ومثقفين ومهتمين بالشأن الثقافي، ضمن تظاهرة جمعت الموسيقى والفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي والسينما، وفتحت مساحة أمام التجارب والمواهب السورية لتقديم إبداعاتها أمام جمهور أوسع.
وجاءت مشاركة «حنين» في البرنامج الموسيقي للأسبوع، حيث قدّم الكورال مجموعة من الأغاني الشرقية المتنوعة، التي جمعت بين التراث والموشحات وأعمال فيروز وزياد الرحباني وجوليا بطرس وميادة بسيليس وإياد الريماوي وغيرها، بأسلوب كورالي يعتمد على توزيع الأغنيات بين أربعة أصوات وأحياناً أكثر، بما يمنح الأعمال المعروفة صياغة جديدة ويبرز جمال التناغم بين الأصوات. وشارك في العرض 31 عضواً من جوقتي السيدات والمختلط.
ولم تكن المشاركة مجرد حضور في فعالية موسيقية، بل شكلت محطة جديدة في مسيرة تجربة فنية انطلقت من صافيتا واستطاعت خلال سنوات أن تفرض حضورها في المشهد الكورالي السوري، وأن تنتقل من مبادرة مجتمعية إلى تجربة تضم جوقات متعددة وفئات عمرية مختلفة.
تجربة بدأت من صافيتا
تأسس كورال «حنين وحلم» عام 2007، ونما تدريجياً بمبادرة مجتمعية ليضم أربع جوقات تستوعب فئات عمرية مختلفة، مع اهتمام واضح بالتدريب وتطوير القدرات الصوتية والموسيقية، وتقديم أنماط متنوعة من الأغاني السورية والعربية.
وخلال مسيرته، قدم الكورال عروضاً في عدد من المناطق السورية، ووصل حضوره إلى مسارح وفعاليات فنية وثقافية مهمة، من بينها دار الأوبرا بدمشق، ليؤكد أن التجارب الفنية المحلية قادرة على الوصول إلى فضاءات أوسع متى توافرت لها الرعاية والاستمرارية وفرص العرض.
وتبرز خصوصية تجربة «حنين» في اعتمادها على الغناء الجماعي بوصفه حالة فنية وإنسانية في آن واحد؛ فالكورال لا يقوم على صوت منفرد، وإنما على مجموعة أصوات تتدرب وتنسجم وتتقاطع لتصل في النهاية إلى عمل موسيقي واحد، وهو ما يجعل التجربة مساحة للتعلم والانضباط والعمل المشترك، إلى جانب كونها وسيلة لاكتشاف المواهب وتنميتها.
كما أن تنوع البرنامج الذي يقدمه الكورال بين التراث والموشحات والأغنية العربية الحديثة، يساهم في الحفاظ على حضور الذاكرة الموسيقية وتقديمها للأجيال الجديدة بأسلوب معاصر، بعيداً عن الجمود، وبما يحافظ في الوقت نفسه على روح الأعمال الأصلية.
من صافيتا إلى المشهد السوري
وتحمل مشاركة «حنين» القادمة من صافيتا دلالة خاصة على مستوى الحضور الثقافي للمحافظات السورية، إذ تؤكد أن الحركة الفنية لا تنحصر في المراكز الثقافية الكبرى، وأن المدن والبلدات السورية تضم طاقات ومواهب وتجارب تستحق أن تجد طريقها إلى المنصات الوطنية.
كما تشكل مثل هذه المشاركات فرصة للتعريف بمدينة صافيتا ومحافظة طرطوس من بوابة الفن والثقافة، وإظهار ما تمتلكه من طاقات شابة وتجارب إبداعية قادرة على المساهمة في المشهد الثقافي السوري.
وفي المقابل، فإن حضور الفرق والكورالات القادمة من مختلف المناطق في فعالية واحدة يخلق مساحة للتعارف والتبادل بين التجارب الفنية، ويتيح للجمهور اكتشاف ألوان وأساليب موسيقية متنوعة، بما يغني الحياة الثقافية ويعزز التواصل بين الفنانين.
الفن.. جزء من البناء
وتكتسب مشاركة «حنين» في «أسبوع الفن السوري» أهمية إضافية في ظل الرسالة التي حملتها الفعالية نفسها، والتي تؤكد أن الفن والثقافة جزء من عملية البناء والتعافي المجتمعي، وليس نشاطاً ترفيهياً منفصلاً عن قضايا الإنسان وحياته.
وقد أشار عضو اللجنة المنظمة دولامة شهاب إلى أن إقامة الفعالية في مبنى «وردة مسار» وهو قيد الإنشاء تحمل رسالة بأن إعادة الإعمار تبدأ أيضاً من الفن والثقافة، في دلالة على أهمية استعادة المساحات الثقافية لدورها في الحياة العامة.
ومن هنا، تبدو مشاركة «حنين» أكثر من مجرد أمسية غنائية؛ فالغناء الجماعي الذي يجمع عشرات الأصوات في عمل واحد يحمل، في جوهره، صورة عن قيمة التعاون والانسجام وتكامل الأدوار، وهي قيم يحتاج إليها المجتمع في مراحل البناء واستعادة الحياة الثقافية والاجتماعية.
وتؤكد تجربة الكورال، الممتدة منذ نحو عقدين، أن الاستثمار في المواهب المحلية ودعم المبادرات الفنية يمكن أن يصنع تجارب مستدامة قادرة على تمثيل مدنها ومجتمعاتها في المحافل الثقافية المختلفة.


(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

