متابعة:رئيس التحرير
زيادة الإنتاج المحلي لها أهمية كبيرة جداً في الحد من البطالة والتضخّم ومن انفاق القطع الأجنبي على الاستيراد وللمساهمة في زيادة معدّل النمو وتحسين واقع الاقتصاد الوطني من كافة الجوانب
في ضوء ماتقدم توجهنا بالسؤال للدكتور سلمان ريا -رجل الأعمال المعروف بفكره الاقتصادي ومسيرة عمله الناجحة وعضو مجلس ادارة غرفة تجارة وصناعة طرطوس حالياً -عن رأيه بمتطلبات زيادة الإنتاج الصناعي في بلدنا بشكل عام وعن الدور الذي يجب أن يقوم به الصناعيون وغرف الصناعة والدولة في هذا المجال
يقول الدكتور ريّا :إن الحديث عن زيادة الإنتاج الصناعي في سوريا لم يعد ترفاً اقتصادياً، بل أصبح ضرورة وطنية مرتبطة مباشرة بالأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي والسيادة الإنتاجية. فالدول لا تُقاس فقط بحجم مواردها الطبيعية، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة وفرص عمل وإنتاج مستدام يخفف من التبعية والاستيراد ويعيد بناء الطبقة الوسطى ويمنح المجتمع شعوراً بالاستقرار والأمل.
ويضيف د.ريا:إن أي عملية نهوض صناعي حقيقية لا يمكن أن تقوم على القرارات الآنية أو الحلول المؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تتكامل فيها الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والمالية والتشريعية ضمن مشروع اقتصادي طويل الأمد يقوم على الاستقرار والثقة والإنتاج.
ففي الجانب التشريعي، تبقى البيئة القانونية المستقرة الركيزة الأساسية لأي نشاط إنتاجي. فالصناعة بطبيعتها تحتاج إلى زمن وتراكم واستثمارات طويلة الأجل، ولذلك لا يمكن للصناعي أو المستثمر أن يخاطر برأسماله في ظل قوانين متقلبة أو إجراءات غير واضحة أو بيروقراطية معقدة. المطلوب هو بناء بيئة قانونية شفافة وقابلة للتنبؤ، يشعر فيها المنتج بأن حقوقه محمية وأن الدولة شريك في التنمية لا عبء إضافياً عليها. كما أن تطوير القضاء التجاري والتحكيم الاقتصادي وحماية الملكية الصناعية والفكرية يشكل جزءاً أساسياً من بناء الثقة الاقتصادية.
أما على المستوى المالي، فإن رأس المال المنتج يحتاج إلى منظومة مصرفية قادرة على تمويل التنمية لا الاكتفاء بالدور التقليدي المحدود. فلا يمكن توسيع الإنتاج الصناعي دون قروض ميسّرة ومدروسة تتناسب مع طبيعة الدورة الصناعية الطويلة، إضافة إلى توفير أدوات تمويل حديثة وتشجيع المصارف على توجيه السيولة نحو القطاعات الإنتاجية بدلاً من المضاربات والأنشطة الريعية السريعة. كما أن استقرار سعر الصرف والسياسة النقدية يشكلان عاملاً حاسماً في حماية الصناعة من التقلبات الحادة التي تعيق التخطيط والإنتاج والتسعير.
ويتابع الدكتور سلمان ريا :وفي الوقت نفسه، فإن تحسين القدرة الشرائية للمواطنين يمثل جزءاً من العملية الإنتاجية نفسها، لأن السوق الداخلي هو المحرك الأول للاستهلاك والاستثمار. فلا يمكن للصناعة أن تتوسع في مجتمع تتآكل فيه الدخول وتضعف فيه القوة الشرائية، لذلك فإن التنمية الاقتصادية الحقيقية هي عملية مترابطة بين الإنتاج والدخل والاستقرار الاجتماعي.
وعن دور الصناعي في زيادة الإنتاج وتطوير القطاع ودور غرف الصناعة يقول:ان دور الصناعيين لا يقتصر على إدارة المصانع، بل يتعداه إلى بناء ثقافة إنتاجية حديثة قائمة على الجودة والتطوير والمنافسة والتخطيط طويل الأمد. فالتحديات الجديدة تفرض تحديث خطوط الإنتاج، والاستثمار في التكنولوجيا، ورفع كفاءة الإدارة، والانتقال من عقلية الربح السريع إلى عقلية التنمية الصناعية المستدامة القادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
ومن هنا يبرز الدور المحوري لغرف الصناعة، التي يجب أن تتحول من مؤسسات تمثيلية تقليدية إلى منصات اقتصادية فاعلة تشارك في رسم السياسات الصناعية، وتنظيم التدريب والتأهيل، ودعم التصدير، وإقامة المعارض والأسواق التخصصية، وبناء قواعد بيانات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار الاقتصادي الصحيح وربط المنتج المحلي بالأسواق الإقليمية والدولية.
ولا يمكن الحديث عن صناعة حديثة دون الحديث عن التعليم والتأهيل المهني. فالتنمية الصناعية تبدأ فعلياً من المدرسة والمعهد والجامعة. المطلوب اليوم هو إعادة ربط التعليم المهني والجامعي باحتياجات سوق العمل الفعلية في القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية والسياحية، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى شريك مباشر في التنمية من خلال التدريب العملي، والبحث التطبيقي، وتطوير المهارات التقنية والإدارية، لأن الصناعة الحديثة تقوم على المعرفة بقدر ما تقوم على رأس المال.
كما أن التنمية الصناعية في العصر الحديث لم تعد منفصلة عن معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية، بل أصبحت جزءاً من منظومة التنمية المستدامة العالمية. ولذلك فإن أي مشروع اقتصادي ناجح يجب أن يوازن بين النمو والإنتاج من جهة، وحماية الموارد والبيئة وتحقيق العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، لأن التنمية التي تستنزف الإنسان والموارد لا يمكن أن تستمر على المدى الطويل.
ويختم الدكتور ريا بالقول:إن بناء اقتصاد منتج ليس عملية تقنية فقط، بل هو مشروع وطني متكامل يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع والتعليم ورأس المال ضمن رؤية تنموية واضحة، قوامها الاستقرار والثقة والعمل والإنتاج. وعندما يشعر المنتج والمستثمر والعامل والمواطن بأن هناك مشروعاً اقتصادياً مستقراً وعادلاً وقابلاً للاستمرار، تتحول الصناعة من نشاط اقتصادي محدود إلى قوة حقيقية لإعادة بناء المجتمع والدولة معاً.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
