متابعة:هيثم يحيى محمد
هناك قضية تستحق الوقوف عندها ملياً، وهي قرارات نقل عاملين مثبتين بجهات عامة في المحافظات التي يسكنون فيها إلى محافظات أخرى تبعد عشرات او مئات الكيلومترات عن أماكن إقامتهم واستقرارهم الأسري.
قد يبدو النقل الوظيفي، من الناحية الإدارية البحتة، إجراءً عادياً يدخل ضمن صلاحيات الجهات العامة ومتطلبات العمل. لكن الواقع الإنساني يكشف وجهاً آخر للقضية، وجهاً يحمل الكثير من المعاناة والقلق والأسئلة المشروعة.
فخلف كل قرار نقل يوجد أب يخشى أن يحرم أطفاله من رعايته اليومية، وأم عاملة تجد نفسها أمام استحقاقات أسرية لا يمكن التخلي عنها، وعائلة بنت حياتها واستقرارها على مدى سنوات طويلة حول مكان العمل الحالي. هناك أطفال في المدارس والجامعات، ومرضى يحتاجون إلى الرعاية، والتزامات اجتماعية ومعيشية أصبحت جزءاً من حياة هؤلاء العاملين.
في الظروف الطبيعية قد يكون الانتقال إلى محافظة أخرى أمراً ممكناً، أما في ظل الارتفاع الكبير لتكاليف النقل والسكن والمعيشة، فإن مثل هذه القرارات تتحول بالنسبة للكثيرين إلى عبء يفوق طاقتهم وقدرتهم على التحمل. فكيف يمكن لموظف يتقاضى راتباً محدوداً أن يؤمّن مسكناً جديداً في محافظة أخرى، وأن يتحمل نفقات التنقل أو الاغتراب عن أسرته لأشهر وسنوات؟
إن ما يثير القلق أكثر هو أن العديد من العاملين قد يجدون أنفسهم عاجزين فعلياً عن الالتحاق بمراكز عملهم الجديدة، ليس رفضاً للعمل أو تقاعساً عن أداء الواجب، بل لأن ظروفهم الأسرية والمعيشية تجعل ذلك شبه مستحيل. وعندها يصبح الخيار الوحيد المتاح أمامهم هو تقديم الاستقالة، ما يعني خسارة مصدر رزقهم الوحيد وخسارة المؤسسة لخبراتهم التي تراكمت عبر سنوات طويلة من الخدمة.
ومن منظور قانوني وحقوقي، فإن الإدارة العامة مطالبة دائماً بتحقيق التوازن بين مقتضيات المرفق العام وحقوق العاملين المشروعة. فالقرارات الإدارية، مهما كانت أهدافها، ينبغي أن تراعي مبادئ العدالة والتناسب وعدم إلحاق الضرر غير المبرر بالأفراد، وأن تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والأسرية التي قد تجعل تطبيق القرار شديد القسوة على بعض الفئات.
إن حماية الأسرة ليست مطلباً عاطفياً فحسب، بل هي قيمة اجتماعية ووطنية أساسية. والاستقرار الوظيفي والاجتماعي للعاملين يشكل أحد أهم عناصر استقرار المؤسسات نفسها. فالموظف الذي يشعر بالإنصاف والطمأنينة يكون أكثر قدرة على العطاء والإنتاج من الموظف الذي يعيش تحت ضغط الخوف على أسرته ومستقبله.
ولا شك أن أي مؤسسة تسعى إلى التطوير وتحسين الأداء تحتاج إلى الحفاظ على كوادرها وخبراتها، لا دفعها نحو الاستقالة أو الإحباط أو الشعور بالظلم. فالكفاءات التي أمضت سنوات طويلة في خدمة مؤسسات الدولة تمثل ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها والاستفادة منها (باستثناء من يثبت بأحكام قضائية مبرمة تورطه بالفساد او باي ارتكابات أخرى)
إن المطلوب اليوم ليس إلغاء مقتضيات العمل أو تعطيل صلاحيات الإدارة، بل فتح باب المراجعة والحوار وإعادة تقييم الحالات الإنسانية والاجتماعية بصورة فردية، وإيجاد حلول متوازنة تحقق المصلحة العامة دون أن تدفع مئات الأسر إلى مواجهة مصير مجهول.
إن أصوات هؤلاء العاملين لا تطلب امتيازات استثنائية، ولا تسعى إلى التهرب من الواجب الوظيفي، بل تناشد فقط أن تُؤخذ ظروفها بعين الاعتبار، وأن يُنظر إليها باعتبارها بشراً لهم أسر وأطفال ومسؤوليات وحياة بنوها على مدى سنوات طويلة.
فهل يمكن أن يصبح الاستقرار الأسري ثمناً للاستمرار في الوظيفة؟ سؤال تطرحه اليوم عشرات الأسر السورية، أملاً في أن تجد آذاناً تسمع وقلوباً تدرك أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تلتقي متطلبات الادارة مع الاعتبارات الإنسانية

من اعتصامات عمالية سابقة احتجاجاً على النقل التعسفي
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

