يبدو أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل انتقلتا إلى نسق جديد، أشدّ خطورة، من العدوان على إيران، عنوانه تشجيع الاضطرابات الأمنية والعنف المنظّم، بهدف إنهاك النظام وتحضير المسرح ربّما لضربة عسكرية، تأملان أن تكون القاضية. هذا ما أنبأت به بوضوح تطورات الساعات الأخيرة، والتي حملت سيلاً من التسريبات والمعطيات عن مضيّ واشنطن وتل أبيب في استثمار ما تعدّانه «فرصة نادرة» لضرب نظام طهران في مقتل، رغم التحذيرات المتتالية لهما من مغبّة التورّط في مغامرة لا أحد يعلم كيف ستنتهي. وفي المقابل، تبدو إيران مدرِكة لحجم ما تتعرّض إليه، وهي تتصرّف على أساس أنّ ما تشهده أراضيها لم يعُد حَراكاً احتجاجياً مطلبياً، بل موجة تخريب منظّمة تنخرط فيها خلايا «الموساد»، وتستوجب التعامل معها «بحزم». وإلى جانب العمل على المسار الأمني، تشتغل السلطات أيضاً على مسارات أخرى، سياسية واقتصادية، غرضها تعزيز الالتفاف الشعبي حول النظام، في لحظة تُجمِع المؤشّرات كافّة على أنها ستكون مصيرية
انتقلت الولايات المتحدة من التهديد، على لسان رئيسها دونالد ترامب، بعملٍ عسكري لمساندة الاحتجاجات المتواصلة في إيران، منذ ما يزيد على أسبوعين، إلى الحديث، عبر وسائل الإعلام والتسريبات، عن مراجعة البيت الأبيض خططاً لأيّ ردٍّ عسكري محتمل لا ينفكّ الرئيس نفسه يتوعُّد باللجوء إليه إذا ما اقتضت الضرورة. لكن بين ما يُخطَّط له، والوقائع على الأرض، يَظهر جليّاً أنّ أيّ إجراء، باستثناء مراقبة الأوضاع وانتظار ما ستؤول إليه، لم تتّضح طبيعته بعد؛ ذلك أنّ أيّ تدخُّل عسكري سيكون محفوفاً بمخاطر النتائج العكسية والارتدادات الإقليمية، التي من شأنها – بحسب ما يحذّر منه مراقبون غربيون وإسرائيليون – أن تفيد النظام، وتخلخل أسس الحَراك، فضلاً عن وصمه.
وفي حين تأخذ الاحتجاجات حيّزها الأكبر عبر وسائط التواصل الاجتماعي، في ظلّ غياب صورة واضحة عمَّا يجري على الأرض في إيران، وانقطاع الإنترنت والاتصالات لليوم الرابع على التوالي، يرتفع منسوب التهديدات الخارجية، الأميركية والإسرائيلية. وبرز ذلك بوضوح، أمس، مع توالي التسريبات التي تتحدّث عن أنّ إدارة ترامب طلبت آراء وكالات حكومية، سيطّلع عليها الرئيس غداً، في شأن أهداف عسكرية محتملة وخيارات متنوّعة للتعامل مع الاحتجاجات في إيران. ومن بين تلك الخيارات، تحدّث مسؤولون، إلى صحيفة «وول ستريت جورنال»، عن «إرسال أجهزة لاستقبال خدمة ستارلينك للإنترنت»، في حين أفادت مصادر موقع «أكسيوس» الإخباري باحتمال «توجيه حاملة طائرات إلى المنطقة وتنفيذ هجمات سيبرانية ضدّ النظام»، باعتبار أنّ «أيّ عمل عسكري واسع ضدّ إيران قد يقوّض الاحتجاجات». ولفتت هذه المصادر إلى أنّ معظم الخيارات المطروحةالتي تبحثها الإدارة «لا تتضمّن حالياً عملاً عسكريّاً مباشراً». وفي الإطار نفسه، ذكرت «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أنّ «ترامب لم يتّخذ قراراً نهائياً، لكنه يدرس إصدار أمر بضرب إيران ردّاً على قمع التظاهرات».
دعا «الحرس الثوري»، الإيرانيين إلى التظاهر، اليوم، لتوجيه «ضربة قوية» إلى واشنطن وتل أبيب
وكان الرئيس الأميركي كرّر، أول أمس، حديثه عن استعداد إدارته لـ«مساعدة المحتجّين في إيران على نيل الحرية التي يسعون إليها». ولكنّه ذهب هذه المرّة أبعد، حين لمّح إلى أنّ بلاده قد تتدخّل لمصلحة المحتجّين بغضّ النظر عمّا إذا كان النظام يستخدم العنف ضدّهم أم لا. وكتب ترامب عبر حسابه في منصّة «تروث سوشال»: «إيران تتطلّع إلى الحرية، ربّما أكثر من أيّ وقت مضى. والولايات المتحدة الأميركية على أهبّة الاستعداد للمساعدة!». وتعليقاً على ذلك، رأى مدير برنامج إيران في «معهد دراسات الأمن القومي»، راز زيمِت، أنّ التدخُّل العسكري الأميركي في هذه المرحلة «قد يوفّر زخماً وتشجيعاً لحركة الاحتجاج»، لكن «آثاره ربّما تكون متناقضة في هذه المرحلة»، لأنه «سيردع بعض المواطنين الموجودين حالياً في الشوارع، وسيؤخّر مشاركة قطاعات أوسع من المجتمع تعارض التدخّل الأجنبي في الاحتجاجات». وقدّر زيمِت أنه «سيكون من الأفضل لترامب الانتظار لمعرفة كيف ستتطوّر موجة الاحتجاج هذه قبل إضافة طبقة أخرى من عدم اليقين الملازم لأيّ ضربة من هذا النوع. غير أنه إذا استمرّ القمع في أثناء الأيام المقبلة، فقد يُضطر إلى تنفيذ تهديداته للحفاظ على مصداقية الولايات المتحدة».
على المقلب الإيراني، وفي ظلّ دعوة «الحرس الثوري»، الإيرانيين إلى التظاهر في جميع أنحاء البلاد، اليوم، لتوجيه «ضربة قوية» إلى واشنطن وتل أبيب، قال الرئيس مسعود بزشكيان، في خطاب وجّهه إلى الشعب أمس، إنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان «زرع الفوضى والاضطراب» في البلاد عبر تحريض «مثيري الشغب والإرهابيين»، داعياً مواطنيه إلى النأي بأنفسهم عن هؤلاء، ومؤكّداً الاستعداد للاستماع إلى مطالب المواطنين وحلّ المشاكل الاقتصادية. ومن جهته، حذّر رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، الرئيس الأميركي من أنّ أيّ هجوم تشنّه الولايات المتحدة سيجعل من إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة «أهدافاً مشروعة»، مهدّداً بـ«شنّ ضربة استباقية تستهدف الجيش الأميركي وإسرائيل». وقال: «في حال وقوع هجوم على إيران، ستكون الأراضي المحتلّة وجميع المراكز والقواعد والسفن العسكرية الأميركية في المنطقة أهدافاً مشروعة لنا. ولا نقتصر على الردّ بعد وقوع الهجوم، بل سنتحرّك بناءً على أيّ مؤشرات موضوعية لوجود تهديد».
«طوارئ» إسرائيلية على وقع التطوّرات الإيرانية
على وقع تطوّر الأحداث في إيران، تتابع سلطات العدو الإسرائيلي باهتمام بالغ مجريات الوضع هناك، مواصِلة تسجيل سلسلة من المواقف واتخاذ جملة من التدابير السياسية والعسكرية، التي تعكس رهانها على لحظة مفصلية تأمل أن تؤدّي إلى تغيير المشهد الإقليمي برمّته. وأعلن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أمس، أنّ إسرائيل تتابع «بترقّب شديد ما يجري في إيران»، مشيداً بما وصفها «الشجاعة الهائلة لمواطني إيران» الذين يتظاهرون من أجل «الحرية»، بحسب تعبيره. وفيما أبدى دعم كيان الاحتلال لما سمّاه «نضال الإيرانيين من أجل الحرية»، أعرب نتنياهو عن أمله في أن «تتحرّر الأمة الفارسية قريباً من نير الاستبداد»، زاعماً أنّ «إسرائيل ستكون في حينه شريكاً مخلصاً لإيران في بناء مستقبل من الازدهار والسلام».
وكانت نقلت وكالة «رويترز» عن مصادر إسرائيلية أن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، ناقش في اتصال هاتفي مع نتنياهو «إمكانية التدخّل الأميركي في إيران»، وهو ما يعكس مستوى التنسيق المتقدّم بين الجانبين في التعامل مع التطورات الإيرانية. وفي السياق ذاته، أشار السفير الأميركي لدى كيان الاحتلال، مايك هاكابي، إلى أنّ «الشعب الإيراني إذا اختار إنهاء 46 عاماً من الحكم القائم على الكراهية وانعدام الكفاءة، فإنّ ذلك سيكون كفيلاً بإعادة ثقافة التعليم والفنون والموسيقى والقوة الفارسية»، مضيفاً أنّ هذا سينعكس أيضاً في «وضع حدّ لحركات مثل حماس وحزب الله والحوثيين».
وعلى الصعيد الأمني، نقلت «القناة 12» العبرية عن مصدر مطّلع تأكيده أنه لا نيّة حالياً لاتخاذ أي إجراء تجاه إيران، وأنّ «أي خطوة من هذا النوع ستتمّ بالتنسيق مع واشنطن». لكنّ «القناة i24» العبرية ذكرت أنّ وزراء الحكومة أُبلغوا بأنّ «أي محاولة إيرانية للمساس بالسيادة أو بالمواطنين داخل إسرائيل ستُقابل بردّ خطير»، وأنّ الردّ سيكون «قوياً وحازماً». وفي السياق نفسه، أفادت «القناة 12» بأنّ الجيش الإسرائيلي يضع نفسه في «حال جاهزية دفاعية»، فيما نقلت صحيفة «معاريف» عن مسؤول في المنظومة الأمنية الإسرائيلية تحذيره من أنّ «أي محاولة لزجّ إسرائيل في التطورات الداخلية الإيرانية تستوجب حسابات دقيقة من جانب قادة النظام».
وفي ظلّ انعقاد جلسات تقييم وضع متتالية، ذكرت «هيئة البثّ الإسرائيلية» أنّ «الكابينت» سيعقد اجتماعاً مساء الغد، لبحث تداعيات الاحتجاجات الإيرانية، فيما تحدّثت «القناة 14» عن اجتماع للّجنة الفرعية للاستخبارات في الكنيست، الأربعاء المقبل، لتقييم الوضع. كذلك، أفادت «القناة 12» بأنّ وزيرة المواصلات، ميري ريغيف، عقدت اجتماعاً مع كبار مسؤولي النقل وسلطة المطارات وهيئة الطيران المدني، مطالبةً بـ«تعزيز حال التأهّب واليقظة» في جميع القطاعات.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
