نجاح عبد الحليم
في شباط 2026، لا يبدو الواقع الاقتصادي في سوريا كأنه “أزمة أسعار” فقط، ولا حتى كأنه “أزمة شهر رمضان” بالمعنى الموسمي الضيق، ما يظهر اليوم من شح في الغاز، وفي قفزات أسعار الفروج والألبان والمواد الغذائية، وفي التوتر المستمر بين قرارات تنظيم الاستيراد والتصدير وبين واقع السوق، هو تعبير عن أزمة أعمق: أزمة ترتيب أولويات في الانتقال الاقتصادي، حيث يجري تحرير بعض الحلقات قبل بناء الشروط المؤسسية والإنتاجية التي تجعل هذا التحرير قابلاً للاستيعاب.
المشكلة إذاً ليست في وجود قرارات إصلاحية بحد ذاتها، ولا في مبدأ إعادة تنظيم التجارة أو تخفيف عبء الدعم عن المالية العامة، بل في طبيعة السياق الذي تُطبَّق فيه هذه القرارات، وفي الإيقاع الذي تتحرك به الدولة بين أدوات متباينة: إصلاح نقدي شكلي، تحرير سعري جزئي، تدخل تنظيمي في التجارة، وإدارة طاقة لا تزال محكومة بالندرة والاختناقات، لذا فإن القراءة الدقيقة لما يجري اليوم تقتضي أن نبدأ من المشهد الأكثر التصاقاً بحياة الناس ـ أزمة الغاز ـ ثم ننتقل إلى آثار ذلك على أسعار الغذاء، قبل العودة إلى الخلف لتحليل القرارات التي مهدت لهذا المسار: الكهرباء، لجنة الاستيراد والتصدير، وأخيراً حذف صفرين من العملة.
أولاً: أزمة الغاز.. مدخل لفهم التضخم الجاري
حين تعود طوابير الغاز المنزلي إلى الواجهة، ويصبح الحصول على الأسطوانة حدثاً يومياً مرهقاً، تميل القراءة العامة إلى التعامل مع المسألة بوصفها أزمة توزيع مؤقتة أو خللاً إدارياً يمكن أن ينتهي بوصول شحنة جديدة أو بإجراء حكومي إسعافي، غير أن هذا الفهم، على رغم وجاهته الجزئية، يظل قاصراً عن التقاط ما يكشفه المشهد فعلياً، فالغاز في الاقتصاد السوري اليوم ليس سلعة منزلية وحسب، إنما عنصر حرج في منظومة تكلفة واسعة تمتد من البيت إلى المخبز، ومن المطعم الصغير إلى الورشة الغذائية، ومن أنماط الاستهلاك اليومي إلى ديناميات السوق الموازية.
وحيث إن الطاقة تمثل مدخلاً إنتاجياً أساسياً، فإن أي اختلال في توفر الغاز، سواء كان اختلالاً في التوريد أو في التوزيع أو في التسعير، يتحول سريعاً إلى ضغط تضخمي يتجاوز قطاع الطاقة نفسه، لذا نرى أن أثر أزمة الغاز لا يقف عند حدود ارتفاع سعر الأسطوانة أو طول مدة الانتظار، بل يتسرب إلى أسعار الطعام الجاهز والنقل وبعض الصناعات الصغيرة، ويعيد تشكيل سلوك المستهلك والمنتج معاً، فالمستهلك يبدأ بتقليص بعض أنماط الاستهلاك، والمنتج يبدأ بإعادة تسعير خدماته تحوطياً، والتاجر يضيف هامشاً وقائياً تحسباً لارتفاع جديد في تكاليف التشغيل.
هنا تحديداً تظهر إحدى سمات الاقتصادات الهشة: أن صدمة الإمداد الصغيرة نسبياً تتحول إلى صدمة أسعار عامة، ليس لأن حجمها كبير بالضرورة، ولكن لأن الاقتصاد نفسه لا يملك هوامش امتصاص كافية، ففي اقتصاد يفتقر إلى طاقة مستقرة، وتمويل ميسر، ومنافسة فعالة، ومخزونات تنظيمية، تصبح كل أزمة طاقة ـ ولو بدت قطاعية ـ بمثابة عدسة مكبرة تكشف هشاشة البنية كلها.
ومن هذه الزاوية فإن بعض طوابير الغاز التي نراها اليوم ليست مشهداً خدماتياً فقط؛ إنها مؤشر كليّ على أن الاقتصاد يعمل تحت ضغط اختناقات متزامنة، وإذا كان الخطاب الرسمي يركز على استمرار التوريدات والإجراءات الجديدة، فإن السوق يقرأ شيئًا آخر: عدم يقين في الإمداد، وعدم يقين في التكلفة، وبالتالي عدم يقين في التسعير، ونتيجة لذلك يتحول الغاز من قضية معيشية منفصلة إلى متغير مركزي في تفسير الغلاء الجاري.
ثانياً: غلاء الفروج والألبان.. أزمة تكلفة لا موسم
في الأيام التي سبقت رمضان وخلال بدايات الاستعداد له، برزت موجات ارتفاع لافتة في أسعار الفروج والألبان والأجبان ومجموعة واسعة من المواد الغذائية، وقد تميل بعض القراءات السريعة إلى ردّ ذلك مباشرة إلى الطلب الموسمي، وهو عامل حقيقي بلا شك، إذ ترتفع مشتريات الأسر الغذائية عادة في هذه الفترة، غير أن الاقتصار على هذا التفسير يُبقي التحليل عند سطح الظاهرة، ولا يفسر لماذا تبدو وتيرة الارتفاع أكثر حدّة، ولماذا يتكرر المشهد مع كل ضغط على الطاقة أو النقل أو سعر الصرف.
الجواب الأهم هنا هو أن كثيراً من السلع التي تبدو “محلية” في السوق السورية هي محلية في الشكل النهائي فقط، أما هيكل تكلفتها فهو مشبع بعناصر مرتبطة بالدولار والطاقة وسلاسل الإمداد المضطربة، الفروج مثلاً لا يُنتج في فراغ، إذ يعتمد على الأعلاف، والتدفئة أو التبريد بحسب الموسم، والنقل، والخدمات البيطرية، ومستلزمات تشغيل، كثير منها يتأثر مباشرة أو غير مباشرة بسعر الصرف وتكاليف الطاقة، والأمر نفسه ينسحب على الألبان والأجبان، حيث تُعد الكهرباء والتبريد والنقل عناصر حاسمة في تحديد الكلفة النهائية، وحين ترتفع تعرفة الكهرباء أو تتراجع موثوقية التغذية يلجأ المنتج إلى بدائل أعلى كلفة، فينتقل العبء إلى المستهلك.
لذلك فإن ما يحدث في أسعار الغذائيات اليوم لا يمكن وصفه بدقة على أنه “تضخم طلب” فقط، بل هو في جزء مهم منه تضخم مدفوع بالتكلفة، ومع ضعف القدرة الشرائية وتآكل الدخل الحقيقي تأخذ المسألة بعداً أكثر خطورة، لأن السوق لا يتجه فقط نحو الغلاء، بل نحو إعادة فرز الاستهلاك نفسه، أي نحو تقليص سلة الغذاء لدى الأسر واستبعاد منتجات كانت تُعد أساسية أو شبه أساسية في مواسم سابقة.
غير أن ثمة نقطة أخرى في هذه القصة لا تقل أهمية عن الطاقة، فالسوق لا يتعامل مع الكلفة الحالية وحدها، بل مع توقعاته بشأن الكلفة القادمة، وحيث إن البيئة الاقتصادية تتسم بتقلبات متكررة في الإمداد والطاقة وسعر الصرف، يميل المنتجون والتجار إلى ما يمكن تسميته بالتسعير التحوطي، بمعنى أنهم لا يسعرون على أساس ما دفعوه فقط، بل على أساس ما يتوقعون أنهم سيدفعونه بعد أيام، وهذه الديناميكية تُدخل الاقتصاد في حلقة تضخم توقعي، حيث تصبح التوقعات نفسها قوة دافعة للغلاء لا مجرد انعكاس له.
هنا يظهر بوضوح أن رمضان ليس سبب الأزمة، بل لحظة كشف لها، فالطلب الموسمي يضغط، نعم، لكن الضغط يتحول إلى قفزة سعرية فقط عندما يمر عبر اقتصاد يفتقر إلى المرونة المؤسسية والإنتاجية، وفي هذا السياق تبدو عبارة “انفلات الأسعار” أقل دقة من عبارة “تفكك آليات الضبط الاقتصادي”، لأن المسألة ليست فقط ضعف رقابة، إنما اختلال في البنية التي يفترض أن تسمح للأسواق بالعمل ضمن حدود يمكن توقعها.
ومن ثم فإن غلاء الفروج والألبان والغذائيات في هذه اللحظة لا ينبغي قراءته كقائمة سلع ارتفعت أسعارها، بل كتشخيص ميداني لطبيعة الاقتصاد نفسه: اقتصاد تتسع فيه الفجوة بين السياسات المعلنة وقدرته الفعلية على امتصاص آثارها، حيث تنتقل صدمات الطاقة والتجارة والنقد بسرعة إلى الطبق اليومي للمواطن.
ثالثاً: إصلاحات متفرقة.. وأزمة مستمرة
إذا أردنا فهم الجذور الأعمق للمشهد الحالي، فلا بد من العودة إلى القرارات التي تراكمت خلال الأشهر الماضية، والتي أسست، بقصد أو من دون قصد، لهذه البيئة التضخمية الهشة، ومن أبرز هذه القرارات تعديل تعرفة الكهرباء وتطبيق نظام الشرائح في تشرين الثاني 2025، ثم تشكيل اللجنة الوطنية لتنظيم الاستيراد والتصدير والقرارات المتصلة بتقييد بعض أنماط الاستيراد أو دخول الشاحنات الأجنبية في أواخر 2025، وصولاً إلى قرار حذف صفرين من الليرة السورية.
من حيث المبدأ لا يمكن التعامل مع هذه الخطوات باعتبارها أخطاءً تلقائية، لكل قرار منها منطق داخلي مفهوم، رفع تعرفة الكهرباء وتخفيف الدعم يرتبط بضغوط مالية حادة وبحاجة الدولة إلى تقليص عجز الدعم، تشكيل لجنة وطنية لتنظيم الاستيراد والتصدير يعكس محاولة لاستعادة وظيفة تنظيمية سيادية بعد سنوات من الفوضى والتشوهات، وحذف الأصفار من العملة يمكن فهمه كخطوة إدارية – نقدية لتبسيط المعاملات واستعادة شيء من الثقة الرمزية بالعملة الوطنية، المشكلة ليست هنا، بل في أن هذه الخطوات تتحرك ضمن اقتصاد لم تُستكمل شروط انتقاله بعد، وأن الإيقاع الزمني بينها لا يبدو منسقاً ضمن استراتيجية تنموية واضحة المعالم.
لنبدأ بالكهرباء، حين ترتفع تعرفة الكهرباء في اقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة الطاقة، فإن القرار لا يبقى قراراً مالياً، بل يتحول مباشرة إلى قرار يؤثر في كلفة الإنتاج ومن ثم في التضخم، وإذا لم يترافق ذلك مع تحسن موثوقية التغذية أو مع برامج حماية للفئات الأضعف والقطاعات المنتجة، فإن النتيجة تكون انتقال العبء من الخزينة إلى السوق لا حل المشكلة، وهذا ما يجعل كثيراً من إجراءات “تصحيح الأسعار” في الاقتصادات الهشة إصلاحات ناقصة؛ فهي تصحح السعر المالي لكنها لا تعالج اختناقات العرض.
ثم تأتي لجنة الاستيراد والتصدير، الفكرة بحد ذاتها مهمة، بل ضرورية نظرياً، لأن التجارة الخارجية في الاقتصادات الخارجة من نزاع لا يمكن أن تُترك بالكامل لفوضى السوق، لكن فعالية التنظيم مشروطة بقدرة الاقتصاد المحلي على التعويض، فإذا تم تقييد بعض الواردات أو تشديد شروط الحركة التجارية دون أن يكون هناك توسع إنتاجي حقيقي، أو دون آليات تمنع التركز والاحتكار، فإن السوق يقرأ الرسالة بوصفها تضييقاً للعرض لا حمايةً للإنتاج، وعندها ترتفع الأسعار حتى قبل ظهور النقص الفعلي، لأن التوقعات تسبق الوقائع.
والأهم من ذلك أن الاقتصاد السوري، كما تظهره ديناميات السوق خلال السنوات الماضية، لا يعتمد فقط على استيراد سلع استهلاكية بعينها، بل يعتمد أيضاً على استيراد مكونات التكلفة نفسها: مواد أولية، ومدخلات زراعية وصناعية، وقطع تبديل، ووسائط إنتاج، لذا فإن تنظيم الاستيراد في غياب سياسة صناعية/زراعية مرافقة قد يُنتج أثراً عكسياً، حيث يجتمع هدف الحماية مع نتيجة الغلاء، لا لأن الحماية فكرة خاطئة بالمطلق، بل لأن شروط نجاحها غير مكتملة.
أما حذف صفرين من العملة فهو المثال الأكثر وضوحاً على الفجوة بين الإصلاح الشكلي والإصلاح البنيوي، فإعادة التسمية (redenomination) لا تغيّر القيمة الحقيقية للنقد، ولا تُخفض التضخم بحد ذاتها، ولا تعيد بناء الثقة إذا ظلت العوامل الحقيقية للغلاء قائمة، قد تُسهّل الحسابات وتخفف العبء النفسي للأرقام الكبيرة، وربما تمنح السلطة النقدية لحظة رمزية تقول فيها إن هناك بداية جديدة، لكن السوق في النهاية لا يسعّر بالرمزية، بل بالكلفة وبسعر الصرف وبالتوقعات وبمخاطر الإمداد.
ومن هنا تبدو المفارقة السورية في مطلع 2026 شديدة الوضوح: هناك حزمة من الإجراءات التي يمكن إدراجها تحت عنوان “إصلاح”، لكن أثرها المجمع في السوق لا يزال يتجه نحو مزيد من التضخم وعدم اليقين، وهذا لا يعني أن البديل هو تجميد الأسعار أو العودة الميكانيكية إلى أنماط دعم غير قابلة للاستدامة، بل يعني أن ترتيب الإصلاح أهم من مجرد إطلاقه، فالانتقال الاقتصادي لا يُقاس بعدد القرارات، بل بمدى انسجامها مع قدرة الاقتصاد على الاحتمال.
إذا أردنا تسمية هذه الحالة نظرياً فنحن أمام ما يمكن وصفه بدقة بأنه “تحرير دون عمق مؤسسي”: تُرفع الأسعار أو تُصحح، بينما لا تزال مؤسسات السوق والتنظيم والطاقة والإنتاج في حالة هشاشة؛ يُعاد صياغة الإطار التجاري، بينما لا تزال القدرة الإنتاجية المحلية محدودة؛ تُتخذ خطوة نقدية رمزية، بينما تبقى ديناميات التضخم الفعلية في مكان آخر تماماً.
هذه ليست مسألة تقنية فقط، إنما مسألة نموذج اقتصادي قيد التشكل، هل تتجه سوريا إلى اقتصاد سوق تنافسي فعلاً؟ إذا كان الأمر كذلك، فأين شروط المنافسة، والطاقة المستقرة، والتمويل، وآليات منع التركز؟ وهل تتجه إلى نموذج تنموي موجّه؟ إذا كان كذلك، فأين السياسة الصناعية/الزراعية المتماسكة القادرة على تحويل تقييد الاستيراد من قرار إداري إلى أداة لبناء العرض المحلي؟ وحتى يتضح ذلك سيبقى السوق يعيش في منطقة انتقالية رمادية، حيث تتحرر المخاطر بسرعة أكبر من تحرر القدرات.
اليوم لا تكمن أهمية طوابير الغاز فقط فيما تقوله عن أزمة مادة، ولا تكمن أهمية غلاء الفروج والألبان فقط فيما تقوله عن رمضان، ولا تكمن أهمية حذف الأصفار فقط فيما يقوله عن السياسة النقدية، الأهمية الحقيقية تكمن في الترابط بينها جميعاً، ذلك أن ما نراه اليوم هو سلسلة واحدة: اختناق طاقي يرفع الكلفة، وسوق غذائي ينقل الصدمة إلى المستهلك، وسياسة تجارية تحاول الضبط من دون قاعدة إنتاجية كافية، وإصلاح نقدي رمزي لا يمس جذور التضخم، لذا فإن السؤال الاقتصادي الجاد لم يعد: “لماذا ارتفعت الأسعار هذا الأسبوع؟” بل: “أي تسلسل إصلاحي يمكن أن يوقف تحويل كل صدمة قطاعية إلى أزمة معيشية عامة؟”.
هذا هو السؤال الذي يحدد، أكثر من أي شعار إصلاحي، ما إذا كانت سوريا تمضي نحو اقتصاد أكثر كفاءة واستقراراً، أم نحو اقتصاد أكثر تحرراً في السعر وأكثر هشاشة في البنية.
أخبار سوريا الوطن١-الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
