في خضم التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، لم تعد ارتدادات الصراع محصورة بالجغرافيا السياسية أو الحسابات الأمنية، بل تمددت مباشرة إلى شرايين الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، وما يجري اليوم يتجاوز كونه موجة توتر عابرة، ليكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام أي اهتزاز في منطقة الخليج العربي، التي ما زالت تشكل العقدة الأهم في معادلة النفط والغاز والتجارة الدولية.
ويعكس الارتفاع الحاد في أسعار النفط، والذي تجاوز سبعة بالمئة خلال جلسة واحدة وفق معطيات رويترز، حالة هلع في الأسواق أكثر مما يعكس نقصاً فعلياً فورياً في الإمدادات، فمجرد الحديث عن تعطيل الشحن في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، كفيل بإشعال المضاربات ودفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة منذ أشهر، هذه الحساسية المفرطة تؤكد أن أمن الطاقة العالمي ما زال رهينة ممرات ضيقة وصراعات مفتوحة.
لكن النفط ليس الضحية الوحيدة، فقطاع الطيران العالمي تلقى بدوره ضربة موجعة، مع إغلاق مجالات جوية حيوية وتعليق آلاف الرحلات، بحسب بيانات شركة سيريوم التي نقلتها وكالة فرانس برس، هنا لا نتحدث فقط عن خسائر مالية بمئات الملايين، بل عن إعادة رسم لخرائط النقل الجوي بين آسيا وأوروبا، كانت دول الخليج تشكل قلبها النابض، أي اختلال طويل الأمد في هذا الدور سيعيد توزيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في قطاع الطيران.
والأخطر من ذلك، هو دخول عامل التأمين على الخط، إلغاء تغطية مخاطر الحروب من قبل كبرى شركات التأمين البحري يعني عملياً شل حركة السفن حتى في حال توافر النفط والموانئ، فالتجارة العالمية لا تتحرك بالشحن فقط، بل بضمانات المخاطر.
ومع ارتفاع أقساط التأمين إلى مستويات قياسية، تصبح تكلفة النقل بحد ذاتها عاملاً تضخمياً ينعكس على أسعار الغذاء والطاقة والسلع الأساسية عالمياً، بما فيها الدول غير المنخرطة مباشرة في الصراع.
أما الحديث عن إغلاق مصفاة تابعة لشركة أرامكو السعودية في رأس تنورة، ولو احترازياً، فيحمل دلالة نفسية كبيرة للأسواق، فرأس تنورة ليست منشأة عادية، بل رمزاً لاستقرار إمدادات النفط السعودية، وأي مساس بها ولو إعلامياً، يرفع منسوب القلق العالمي ويغذي سيناريوهات الأسوأ.
في المحصلة، ما نشهده اليوم هو تذكير قاسياً بأن الاقتصاد العالمي لم يتعاف بعد من صدمات الجائحة والحروب السابقة، وأنه يدخل هذه الأزمة وهو مثقل بالتضخم والديون واضطراب سلاسل الإمداد، كما أن استمرار التصعيد سيحول الخليج من شريان للطاقة إلى عنق زجاجة خانقاً، وستدفع كلفة ذلك شعوب العالم قبل الحكومات.
(أخبار سوريا الوطن2-الوطن )
syriahomenews أخبار سورية الوطن
