د. عبد الكريم بكار
تخطئ الكثير من الأسر حين تظن أنَّ خطورة الأجهزة الرقمية تقتصر على “إشعاعات الشاشة” أو “تشتت الانتباه”؛ فالثمن الحقيقي الذي ندفعه هو (الانفصال الوجداني) بين المربي والطفل. إنَّ الطفل الذي يجد “سلوته” و”أنيسه” في خوارزميات صامتة، سيتوقف تدريجياً عن البحث عن الدفء في حضن والديه، وهنا تبدأ الكارثة التربوية الصامتة.
إنَّ وصف هذا الفعل بـ (الاستقالة التربوية) ليس من باب المبالغة، بل هو توصيف دقيق لواقعٍ يتم فيه استبدال “المصدر الفطري للأمان” بـ “بديل تقني بارد”، وذلك وفق القواعد التالية:
1. سحب البساط من “المرجعية الوالدية”
في سنوات التكوين الأولى، يجب أن يكون الوالدان هما (المصدر الأول) للمعلومة، وللمتعة، ولتفسير العالم. حين نمنح الطفل هاتفاً ليهدأ، فنحن نقول له ضمنياً: “ابحث عن إجاباتك وسعادتك بعيداً عني”. ومع الوقت، يكتسب الغرباء خلف الشاشة (سلطة معرفية وعاطفية) تفوق سلطة الأب والأم، فيصبح “اليوتيوبر” أو الشخصية الكرتونية أقرب لقلب الطفل وفهمه من أسرته.
2. ضمور “عضلة التواصل” الإنساني
الحضن ليس مجرد تلامس جسدي، بل هو (قناة اتصال) تنتقل عبرها القيم والمشاعر والسكينة. استبدال هذا التواصل بالشاشة يحرم الطفل من تعلم لغة الجسد، وفهم نبرات الصوت، والتعاطف مع الآخرين. نحن نربي أطفالاً يملكون “ذكاءً تقنياً” حاداً، لكنهم يعانون من (عجز إنساني) في بناء علاقات حقيقية ودافئة.
3. فخ “الهدوء الزائف” واغتراب الروح
الهدوء الذي يمنحه الهاتف للطفل هو حالة من (الاستلاب الذهني) وليس السكينة النفسية. الطفل “يغيب” عن الواقع ليدخل في عالم الغرباء، وحين يُسحب منه الجهاز يظهر التوتر والعدوانية؛ لأنَّ الرابطة التي كانت تجمع بينه وبين أهله قد تآكلت، ولم يتبقَّ له “وطن” ينتمي إليه سوى ذلك المستطيل الزجاجي.
4. صناعة “اليتم الرقمي” في بيوت مأهولة
أقسى صور الإهمال هي التي تحدث تحت سقف واحد. أن يجلس الطفل بجانب أمه وهي تتابع هاتفها، وهو يتابع هاتفه، هو (يتمٌ مقنّع). الغريب الذي صمم المحتوى الرقمي يعرف كيف يجذب انتباه طفلك، بينما المربي الذي استسلم لراحة “صمت الطفل” فقدَ أعظم فرصة لبناء (الذاكرة المشتركة) التي هي أساس البر والصلة في المستقبل.
ختاماً..
إنَّ أطفالنا لا يحتاجون إلى أجهزة أحدث، بل يحتاجون إلى (حضورٍ كامل). الهاتف قد يمنحك دقائق من الهدوء الآن، لكنه سيكلفك سنوات من الغربة عن ابنك غداً. فلنعيد صياغة أولوياتنا، وليكن “الحضن” هو الشاشة الأولى والأخيرة التي يرى من خلالها الطفل جمال الحياة.
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
