هبا أحمد
قبل المرسوم رقم 120 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، والقاضي بمنح مكافأة تشجيعية قدرها 9000 ليرة جديدة، أي 900000 ليرة قديمة، عن كل طن قمح يسلمه المزارع إلى المؤسسة السورية للحبوب، وذلك إضافة إلى تسعيرة الشراء المعتمدة من وزارة الاقتصاد والصناعة لموسم 2026، أثار القرار رقم 94 الصادر عن الوزارة، الذي حدد سعر شراء طن القمح القاسي بـ46 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل 330 إلى 340 دولارا أميركيا، موجة من الاحتجاجات والسخط والاستياء والمخاوف.
ما سبق ذكره يدفع إلى الربط مع التحذيرات الأممية من أزمة غذاء عالمية على خلفية الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، والانطلاق من الداخل إلى الخارج، والتساؤل عن موقع سوريا من الأزمة، وهل يمكن التحوط؟ وكيف؟ ولا سيما أن تقارير أممية سابقة حذرت من أن نحو نصف السكان في سوريا يواجهون انعدام الأمن الغذائي بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية وتغير المناخ وغيرها من الأسباب.
إذ لم تقتصر الحرب على أبعادها الجيوسياسية أو النفطية، بل امتدت لتكون تهديدا للأمن الغذائي العالمي. فآثار الصراع لا تتوقف عند أسعار الطاقة، بل طالت منظومة إنتاج الغذاء، من الأسمدة والكيماويات إلى سلاسل الإمداد والتمويل، إذ يهدد تعطل شحنات الأسمدة وارتفاع أسعار الطاقة بسبب إغلاق مضيق هرمز بموجة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وستتأثر بها بدرجة أكبر الدول الأكثر هشاشة.
وتعكس بيانات المؤسسات الدولية عمق الترابط بين الطاقة والغذاء. ففي آذار الماضي، قفز مؤشر أسعار الطاقة لدى البنك الدولي بنسبة 41.6%، مدفوعا بارتفاع حاد في أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي وخام برنت. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الأسمدة بأكثر من 26%، بينما حذرت منظمة الأغذية والزراعة “فاو” من متوسط ارتفاع قد يتراوح بين 15 و20% خلال النصف الأول من عام 2026 إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط.
الترابط بين الطاقة والغذاء يحيل إلى نقطة الجغرافيا السياسية، وكيف يتحول عصب الإمداد، المتمثل هنا في مضيق هرمز، من مجرد جغرافيا صراع عسكري إلى قضية تتعلق بصميم الأمن الغذائي العالمي وما يحيط به من أخطار وتحديات.
خفض المساعدات الغذائية
مؤخرا، أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه خفض المساعدات الغذائية الطارئة في سوريا بنسبة 50 بالمئة بسبب نقص التمويل، محذرا من أن الملايين لا يزالون معرضين للخطر على الرغم من ظهور بوادر استقرار في أنحاء البلاد.
وقال برنامج الأغذية العالمي، في بيان، إن عدد الأشخاص الذين يتلقون مساعدات غذائية انخفض من 1.3 مليون إلى 650 ألف شخص فقط خلال أيار الجاري، مع قصر عملياته في سوريا على سبع محافظات من أصل أربع عشرة محافظة.
وأضاف أن 7.2 ملايين شخص في سوريا لا يزالون يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينهم 1.6 مليون شخص يواجهون ظروفا قاسية للغاية، لافتا إلى أن العديد من الأسر تجد نفسها عاجزة بالفعل عن تلبية احتياجاتها الغذائية اليومية، ما يضطرها إلى تقليص حصص الطعام، أو تناول وجبات أقل قيمة غذائية، أو الامتناع عن تناول الوجبات تماما.
وقالت ماريان وارد، مديرة مكتب برنامج الأغذية العالمي في سوريا، إن تقليص مساعدات البرنامج يعود حصرا إلى القيود المفروضة على التمويل، وليس إلى انخفاض في حجم الاحتياجات.
وأوقف برنامج الأغذية العالمي كذلك برنامج دعم الخبز، الذي كان يدعم أكثر من 300 مخبز بدقيق القمح المدعم، ما ساعد في توفير الخبز المدعوم لما يصل إلى أربعة ملايين شخص يوميا في بعض أكثر المناطق عرضة لخطر نقص الغذاء في سوريا.
في السياق، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” من خطر اندلاع أزمة غذائية عالمية خطيرة نتيجة الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في المنظمة، أن ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، مقترنا بانخفاض المساحات المزروعة، يؤدي إلى تراجع المحاصيل، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتصاعد التضخم الغذائي على مستوى العالم.
وجاء في بيان المنظمة أن تعطل الملاحة في مضيق هرمز يولد صدمة منهجية في المنظومة الزراعية والغذائية، قد تفضي إلى أزمة عالمية خطيرة وارتفاع في أسعار المواد الغذائية خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وعام.
ومن بين التدابير العاجلة، اقترحت المنظمة البحث عن مسارات تجارية بديلة، ورفع القيود على الصادرات، وحماية الشحنات الإنسانية، وامتصاص تكاليف النقل المتزايدة.
وأشار ديفيد لابورد، مدير شعبة الاقتصاد الزراعي والغذائي في المنظمة، إلى أن التخفيف من الآثار السلبية يتطلب التحول إلى مسارات برية وبحرية بديلة، تشمل المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية، وغرب المملكة العربية السعودية، والبحر الأحمر. غير أنه حذر من أن هذه المسارات تمتلك طاقة استيعابية محدودة، لذا فمن الأهمية بمكان تجنب فرض قيود على الصادرات من قبل الدول المنتجة الكبرى.
التقاطعات
بناء على ما سبق ذكره، ترى الباحثة الاقتصادية، الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد، أنه في عالم باتت فيه أسعار الخبز مرتبطة بحركة ناقلات النفط، لم يعد أي اضطراب جيوسياسي حدثا محليا أو محدود التأثير. فالتوترات التي تضرب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق هرمز، بدأت تثير مخاوف متصاعدة من أزمة غذائية عالمية قد تمتد آثارها إلى موائد ملايين البشر، وخصوصا في الدول الهشة اقتصاديا مثل سوريا.
وتقول الدكتورة الشياح، في تصريح لـ”الثورة السورية”: رغم أن كثيرين قد يرون العلاقة بين مضيق بحري وسعر رغيف الخبز أمرا مبالغا فيه، فإن الواقع الاقتصادي العالمي اليوم يجعل هذه العلاقة مباشرة إلى حد بعيد. فمضيق هرمز لا يمثل ممرا للطاقة فقط، بل يشكل عصبا رئيسيا للاقتصاد العالمي بأسره. وأي اضطراب في تدفق النفط والغاز عبره ينعكس فورا على أسعار الوقود والنقل والتأمين البحري، ثم ينتقل تدريجيا إلى الزراعة والإنتاج الغذائي وسلاسل التوريد.
وتوضح الشياح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الزراعة الحديثة تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة. فالوقود لا يقتصر دوره على تشغيل وسائل النقل، بل يدخل في تشغيل المعدات الزراعية وأنظمة الري والحصاد والتخزين والتبريد. والأهم من ذلك أن الغاز الطبيعي يعد مكونا أساسيا في صناعة الأسمدة النيتروجينية، ما يعني أن ارتفاع أسعار الطاقة يقود تلقائيا إلى ارتفاع أسعار الأسمدة.
وحين ترتفع كلفة الأسمدة، يجد ملايين المزارعين حول العالم أنفسهم مضطرين إلى تقليل استخدامها أو تقليص المساحات المزروعة، وهو ما ينعكس لاحقا على حجم الإنتاج الزراعي. هنا تبدأ الحلقة الأخطر: إنتاج أقل، مخزونات أضعف، وأسعار أعلى للحبوب والزيوت والأعلاف، ثم ارتفاع متسلسل في أسعار اللحوم والألبان والمواد الغذائية الأساسية.
أين سوريا من الأزمة؟
هذه المخاوف تبدو أكثر خطورة بالنسبة إلى سوريا، التي تواجه أصلا واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والمعيشية في المنطقة، وفقا للباحثة الاقتصادية. فالبلاد التي كانت قبل سنوات قريبة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في عدد من المحاصيل الرئيسية، وعلى رأسها القمح، شهدت خلال العقد الأخير تراجعا حادا في قدراتها الزراعية نتيجة الحرب والجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الوقود والأسمدة وتضرر البنية التحتية.
وأصبح القمح تحديدا نقطة حساسة في المعادلة السورية، ليس فقط لأنه المادة الأساسية لصناعة الخبز، بل لأنه يرتبط بشكل مباشر بالأمن الاجتماعي والمعيشي. وأي ارتفاع عالمي في أسعار القمح أو الشحن أو الطاقة ينعكس سريعا على تكلفة الخبز المدعوم وأسعار الطحين والأعلاف، ومن ثم على أسعار معظم المواد الغذائية الأخرى.
في سوريا، أشارت الشياح إلى أنه لا يمكن فصل أزمة الغذاء عن أزمة الطاقة. فالمزارع يحتاج إلى المازوت لتشغيل مضخات المياه والجرارات والحصادات، والتاجر يحتاجه لنقل البضائع بين المحافظات، والأفران تحتاجه للإنتاج، وحتى حفظ الأغذية يعتمد على الكهرباء والتبريد المرتبطين بتكاليف الوقود. لذلك، فإن أي قفزة في أسعار النفط العالمية تتحول عمليا إلى موجة تضخم جديدة داخل الأسواق السورية.
الأخطر من ذلك أن تأثير الأزمة لا يظهر فورا فقط، حسب الشياح، بل يمتد إلى المواسم الزراعية المقبلة. فارتفاع أسعار الأسمدة عالميا، وهو ما حذرت منه الفاو بشكل واضح، قد يدفع كثيرا من المزارعين السوريين إلى تقليل استخدامها أو التخلي عن زراعة بعض الأراضي بسبب ارتفاع الكلفة وضعف العائد. وهذا يعني أن الأزمة الحالية قد تتحول لاحقا إلى انخفاض إضافي في الإنتاج المحلي، وبالتالي اعتماد أكبر على الاستيراد في وقت ترتفع فيه الأسعار عالميا.
ورغم أن المنظمات الدولية لا تتحدث حاليا عن مجاعة عالمية شاملة، فإن القلق الحقيقي يتمثل في استمرار الاضطرابات لفترة طويلة، لأن تأثيرها على الزراعة يحتاج أشهرا ليظهر بوضوح. فالأسواق قد تتحمل الصدمة الأولى عبر المخزونات الحالية، لكن استمرار ارتفاع الطاقة والشحن والأسمدة قد يقود تدريجيا إلى موجة تضخم غذائي عالمية تضرب الدول الفقيرة والهشة بأقسى صورة.
التحوط ضرورة واقعية
وفي ظل هذه التوقعات، لفتت الباحثة الاقتصادية إلى أن مسألة التحوط تبدو ضرورة واقعية بالنسبة إلى الأسر السورية، لا باعتبارها حالة ذعر أو تخزينا مفرطا، بل كوسيلة لتخفيف أثر التقلبات المحتملة. ويشمل ذلك بناء مخزون عقلاني من المواد الأساسية طويلة الأمد، مثل الحبوب والبقول والزيوت، مع الحرص على تدوير هذا المخزون واستهلاكه بشكل طبيعي.
كما أن تقليل الاعتماد على السلع المستوردة والأغذية المصنعة قد يساعد في الحد من أثر ارتفاع الأسعار، إلى جانب تشجيع الزراعة المنزلية الصغيرة حتى ضمن المساحات المحدودة، لما توفره من دعم جزئي للأمن الغذائي الأسري.
أما على مستوى الدولة، فترى الشياح أن التحوط لمثل هذه الأزمات لم يعد ترفا اقتصاديا، بل ضرورة مرتبطة بالأمن القومي والغذائي. وفي حالة سوريا، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني سياسات طوارئ تقلل من هشاشة البلاد أمام الصدمات الخارجية، خصوصا في مجالي الغذاء والطاقة.
ويبدأ ذلك من تعزيز الإنتاج المحلي للحبوب عبر دعم المزارعين بالوقود والأسمدة والبذار بأسعار مدعومة، ومنح أولوية قصوى للمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير، بدلا من ترك القطاع الزراعي يواجه ارتفاع التكاليف منفردا. كما يصبح من الضروري إعادة تأهيل شبكات الري والبنية التحتية الزراعية المتضررة، والتوسع في استخدام تقنيات الري الأقل استهلاكا للمياه والطاقة، في ظل تزايد مخاطر الجفاف وارتفاع تكاليف الوقود.
وفي الجانب التجاري، تبين الشياح أن الدولة تحتاج إلى تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على أسواق محددة، إضافة إلى بناء مخزون استراتيجي من القمح والمواد الأساسية يكفي لفترات طويلة نسبيا، بما يخفف أثر أي اضطرابات مفاجئة في الأسواق العالمية أو خطوط الشحن. كما أن تخفيف القيود البيروقراطية على حركة السلع الداخلية، وتقليل كلفة النقل والإنتاج، يمكن أن يحدا من انتقال الصدمات العالمية إلى الأسعار المحلية بشكل حاد.
وتخلص الشياح إلى القول: لا تبدو أزمة مضيق هرمز مجرد أزمة ممر بحري أو ارتفاع مؤقت في أسعار النفط، بل مؤشر جديد على هشاشة النظام الغذائي العالمي وترابطه العميق مع الجغرافيا السياسية والطاقة. وبينما تمتلك الدول الغنية أدوات لامتصاص الصدمات، تبقى الدول الهشة مثل سوريا الأكثر عرضة لدفع الثمن، حيث يتحول أي اضطراب عالمي سريعا إلى ضغط مباشر على حياة الناس اليومية، وعلى قدرتهم على تأمين أبسط احتياجاتهم الأساسية.
التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية
أظهر التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام 2026 أن الصراعات والجفاف وتراجع المساعدات عوامل ستبقي مستويات الجوع العالمية عند مستويات خطيرة في عام 2026، مع توقع تفاقم انعدام الأمن الغذائي في عدد من أكثر بلدان العالم هشاشة.
وجاء في النسخة العاشرة من تقرير رصد الجوع، الذي نشرته مجموعة من المنظمات التنموية والإنسانية، أن مستويات الجوع الحاد زادت بمقدار المثل خلال العقد الماضي، في وقت أعلنت فيه حالتان من المجاعة العام الماضي للمرة الأولى في تاريخ التقرير، وذلك في كل من غزة والسودان.
وفي المجموع، واجه 266 مليون شخص في 47 دولة ومنطقة مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد في عام 2025، في حين عانى 1.4 مليون شخص من أوضاع كارثية في مناطق من هايتي ومالي وغزة وجنوب السودان والسودان واليمن.
وقال ألفارو لاريو، رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية “إيفاد” التابع للأمم المتحدة، الذي يساعد في إعداد التقرير السنوي: لم نعد نشهد صدمات مؤقتة فحسب، بل صدمات مستمرة على مر الزمن. المغزى الأساسي هو أن انعدام الأمن الغذائي لم يعد قضية منعزلة، بل يضغط على الاستقرار العالمي.
وأضاف لاريو أن الحرب الأميركية و”الإسرائيلية” على إيران زادت حدة القلق، محذرا من أن استمرار الاضطراب في تجارة الطاقة والأسمدة يمكن أن يمتد إلى أسواق الغذاء العالمية ويعمق أزمة الجوع في البلدان المعتمدة على الاستيراد، والتي تمر بالفعل بأزمات، لافتا إلى أنه حتى لو انتهى الصراع في الشرق الأوسط الآن، فالكثير من صدمات أسعار المواد الغذائية ومعدلات التضخم ستظهر خلال الأشهر الستة المقبلة.
وحذر التقرير أيضا من تراجع التمويل الإنساني والإنمائي المخصص لقطاعات الغذاء في الأزمات في عام 2025، مع توقع انخفاضه بشكل أكبر. ويقدر أن التمويل الإنساني لقطاع الغذاء انخفض بنحو 39 بالمئة العام الماضي مقارنة بمستويات عام 2024، في حين تراجعت المساعدات الإنمائية بما لا يقل عن 15 بالمئة.
لماذا أخفق العالم؟
في مقدمة كتابه الذي يتمحور حول محاولة الإجابة عن سؤال: لماذا أخفق العالم في إيجاد حل لأزمة الجوع في القرن الحادي والعشرين؟ لفت ديفيد ريف، الصحفي والمحلل السياسي الأميركي والمختص في موضوعات الحرب والمساعدات الإنسانية والتنمية، إلى أنه بحلول أواخر التسعينيات من القرن الماضي كان الأمن الغذائي العالمي قد خرج عن جدول أعمال العالم. وجزء من الأسباب وراء ذلك كان تجريبيا، وجزء آخر كان أيديولوجيا. الجزء التجريبي استند إلى ما بدا أنه تراجع دائم بدلا من كونه مؤقتا في أسعار المواد الغذائية، التي بلغت بحلول عام 2000 أدنى مستوياتها على الإطلاق. أما الجزء الأيديولوجي فكان بافتراض نجاح “الثورة الخضراء الثانية” في الزراعة، التي ساعدت مئات الملايين في أميركا اللاتينية وآسيا على تفادي حياة الجوع الشديد والفقر المدقع. وافترضت الحكومات، في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، أن هذا النجاح سوف ينتشر، ومن ثم خفضت استثماراتها في الزراعة، وحولت اهتماماتها إلى مجالات أخرى.
ويصف ريف الافتراضات السابقة بأنها كانت الأكثر خطأ، ففي نهاية عام 2006 بدأت أسعار القمح والذرة وفول الصويا ترتفع بشكل جنوني في الأسواق العالمية، وهي أغذية أساسية يعتمد عليها ما يقرب من ثلاثة مليارات شخص حتى لا يقعوا فريسة الجوع، ويعيشون على أقل من دولارين في اليوم. وبلغت أسعار هذه الأغذية ذروتها مطلع عام 2008، فارتفع سعر الذرة بنسبة 31%، والأرز بنسبة 74%، وفول الصويا بنسبة 87%، والقمح بنسبة 130%، بالمقارنة مع ما كانت عليه أسعار هذه الأغذية في أوائل عام 2007 في بداية ما عرف فيما بعد بأزمة الغذاء العالمية.
ويقارن خبراء في الشأن الأزمة الحالية بصدمات الغذاء في 2007-2008 و2022، فعلى عكس ما حدث في عام 2022، عندما أثرت حرب روسيا وأوكرانيا بشكل مفاجئ على صادرات البلدين من الحبوب، فإن ارتفاع أسعار الأسمدة أو حتى النقص الحاد فيها قد يؤدي إلى انخفاض غلة المحاصيل، في حين تزيد أسعار الطاقة المرتفعة من تكاليف الإنتاج والنقل.
إلا أن اللحظة الراهنة، حسب الخبراء، تختلف جوهريا بسبب الدور المركزي الذي باتت تلعبه دول الخليج في منظومة الغذاء العالمية، إذ إن جميع صادراتها من الأسمدة تقريبا تمر عبر مضيق هرمز.
وكانت السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان تنتج سنويا ما بين 50 و55 مليون طن من مختلف أنواع الأسمدة والمواد الخام، وخاصة الأمونيا اللازمة لإنتاجها، وكانت غالبية صادرات الأسمدة، أي نحو 45 مليون طن، من الأسمدة النيتروجينية، وخاصة اليوريا، التي تبلغ 30 مليون طن. ويعبر مضيق هرمز سنويا ما بين 21 و22 مليون طن من الأسمدة النيتروجينية، أي ما يقارب 40% من الإمدادات العالمية المنقولة بحرا.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
