بقلم: محسن سلامة
تُعدُّ عبارة “بسم الله الرحمن الرحيم”من أكثر التراكيب تداولاً في اللغة العربية، وقد حظيت باهتمام كبير لدى علماء اللغة والنحو والتفسير، لما تتضمنه من دلالات لغوية وبلاغية وعقدية عميقة.
كلمة “اسم”وهمزة الوصل
تُعد كلمة “اسم”من الأسماء العشرة المشهورة التي تبدأ بهمزة الوصل، وهي:
(اسم، ابن، ابنة، امرؤ، امرأة، اثنان، اثنتان، ايم الله، أيمن الله، ابنم).
والأصل في كلمة “اسم”هو “سْم”،إلا أن العرب لا تبدأ بساكن، فأُضيفت همزة الوصل في أول الكلمة، فأصبحت “اسم” وتسقط هذه الهمزة عند وصل الكلام، كما في قولنا: “بسم الله”
وقد اختلف اللغويون في أصل كلمة “اسم”
• فذهب البصريون إلى أنها مشتقة من السموّ، أي العلو والرفعة.
• بينما رأى الكوفيون أنها مشتقة من السِّمة، أي العلامة.
لفظ الجلالة “الله”
«الله» اسم عَلَم خاص بالمعبود الحق سبحانه وتعالى، فلا يُطلق على غيره.
ويرى جمهور العلماء أنه اسم مرتجل غير مشتق، بينما ذهب سيبويه إلى أنه مشتق من كلمة “إله”على وزن “فِعال”،من الفعل “أَلِهَ”بمعنى عَبَدَ. ثم خُفِّفت الكلمة بحذف الهمزة وإدخال “أل”التعريف عليها، فصارت “الله”
الإعراب في البسملة
تعرب عبارة بسم الله الرحمن الرحيم على النحو الآتي:
• الباء: حرف جر.
• اسم: اسم مجرور بالباء.
• الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أبتدئ
• الله: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
• الرحمن الرحيم: صفتان مجرورتان لله تعالى.
ويُقدَّر الفعل المضارع أبتدئ للدلالة على التجدد والاستمرار، أي: أبتدئ عملي أو قولي أو كتابتي باسم الله الرحمن الرحيم.
أما جملة البسملة فهي جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
البسملة في القرآن الكريم
ذهب الإمام الشافعي إلى أن البسملة آية من سورة الفاتحة، كما أنها آية مستقلة في أوائل سور القرآن الكريم، باستثناء سورة التوبة.
ويُلاحظ أن لفظ “الرحمن” مختص بالله تعالى، ولم يُستعمل في العربية وصفاً على هذا الوجه لغيره سبحانه.
البسملة وعلم النحت
من الظواهر اللغوية الجميلة في العربية ما يُعرف بـ علم النحت، وهو تكوين كلمة واحدة من كلمتين أو أكثر للدلالة على معنى الجملة الأصلية.
فمن قال: بسم الله الرحمن الرحيم يقال له: مُبَسْمِل، والفعل: بَسْمَلَ.
ومن أمثلة النحت أيضاً:
• حَوْقَلَ: قال “لا حول ولا قوة إلا بالله”
• حَمْدَلَ: قال “الحمد لله”.
• سَبْحَلَ: قال “سبحان الله”.
• هَيْلَلَ: قال “لا إله إلا الله”.
• حَيْصَلَ: قال “حيَّ على الصلاة”.
• حَيْفَلَ: قال “حيَّ على الفلاح”.
كما تُعد بعض الألفاظ الدارجة ذات أصول نحتية، مثل كلمة “هلق”بمعنى “هذا الوقت”.
أنواع النحت في العربية
يقسم علماء اللغة النحت إلى عدة أنواع، منها:
أولاً: النحت الفعلي
وهو اشتقاق فعل من جملة كاملة، مثل:
• بَسْمَلَ ← بسم الله الرحمن الرحيم.
• هَيْلَلَ ← لا إله إلا الله.
• حَوْقَلَ ← لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثانياً: النحت النسبي
ويكون بدمج اسمين في نسبة واحدة، مثل:
• عبد شمس ← عَبْشَميّ.
ثالثاً: النحت الاسمي
ويكون بتكوين اسم جديد من اسمين أو أكثر، مثل:
• جَلْد (الشدة) + جَمْد (الصلابة) = جُلْمُود.
وقد وردت كلمة «جلمود» في قول امرئ القيس:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
شواهد شعرية
ومن الشواهد اللطيفة على استعمال الفعل “بَسْمَلَ”ما نُسب إلى الشاعر عمر بن أبي ربيعة:
لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لقيتُها
فيا حبَّذا ذاك الحبيبُ المُبَسْمِلُ
وهكذا تكشف لنا العربية عن ثرائها ومرونتها
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
