بقلم: جمعان علي العمير
في عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتتناقض فيه الرؤى حتى يكاد الإنسان يفقد يقينه بكل شيء، تبقى قيمة واحدة قادرة على أن تُخاطب المؤمن والملحد، والمتدين واللاديني، وكل من يبحث عن وطنٍ يمكن أن يعيش فيه بكرامة: العدل.
فالعدل ليس فكرة دينية فحسب، ولا شعارًا سياسيًا، بل هو حاجة إنسانية خالدة، يتفق عليها من يرفع رأسه إلى السماء ومن يكتفي بالنظر إلى الأرض.
ومن بين كل التجارب التي عرفها التاريخ، تبقى تجربة المدينة المنوّرة — التي أسّسها الرسول ﷺ — التجربة الوحيدة التي استطاعت أن تجمع المختلفين قبل المتشابهين، وأن تصنع مجتمعًا مدنيًا حقيقيًا عاش فيه المسلم واليهودي والمسيحي والمشرك تحت عقدٍ واحد، دون إكراه أو إقصاء، ودون أن يُنتقص من حق أحد.
إنها تجربة تُدهش العقل قبل أن تُحرّك الإيمان، لأنها أثبتت أن الإنسان يمكن أن يعيش حرًا كريمًا مهما كان معتقده، إذا كان العدل هو الحاكم.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الانقسامات، وتضيع فيه البوصلة الوطنية، تبدو سوريا أحوج ما تكون إلى رؤية هادئة تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ودينه ووطنه؛ رؤية تستلهم هذا النموذج المدني العظيم الذي جمع المهاجرين والأنصار واليهود والمشركين والمسيحيين تحت وثيقة واحدة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة، وثيقة جعلت الناس، كما قال النبي ﷺ، سواسية كأسنان المشط، لا يُفضَّل أحد على أحد إلا بالعدل والعمل.
إن هذا النموذج يقدّم اليوم رسالة واضحة للواقع السوري المتشرذم: أن الدين ليس خصمًا للوطن، والوطن ليس ساحة لإلغاء الدين، بل إن الدين لله، والوطن لله، والناس مستخلفون فيهما بالعدل والرحمة والمسؤولية؛ وأن التنوع ليس تهديدًا بل ثروة، وأن الاستقرار لا يقوم إلا على المساواة، وأن حرية المعتقد حق أصيل لا يُمس، وأن المجتمع لا يُبنى بالغلبة بل بالشراكة، ولا بالصوت العالي بل بالوعي الهادئ.
واستلهام روح المدينة لا يعني استنساخ الماضي، بل يعني بناء دولة قانون تحمي الجميع، وهوية وطنية جامعة لا تلغي أحدًا، ومسؤولية مشتركة في عمارة الوطن، تمامًا كما عاش أهل المدينة تحت عقدٍ واحد رغم اختلافاتهم.
بهذه الرؤية يمكن لسوريا أن تنتقل من التشرذم إلى التماسك، ومن الصراع إلى الشراكة، ومن الخوف إلى الأمان؛ فالوطن لا ينهض إلا حين يدرك الجميع أن العدالة هي أساس العمران، وأن الكرامة حق لكل إنسان، وأن أعظم مشروع مدني عرفه التاريخ لم يكن غربيًا ولا مستوردًا، بل كان مشروعًا نبويًا خالصًا أثبت أن المجتمع المتنوع يمكن أن يعيش في ظل عقدٍ واحد إذا كان العدل أساسه، والرحمة روحه، والمسؤولية المشتركة طريقه.
وعندما تُقرأ هذه الكلمات، ويبدأ الناس، مهما اختلفت معتقداتهم، في التفاعل معها، ستظهر الحقيقة التي غابت طويلًا: أن العدل هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، وأن الإنسان، أيًّا كان، يبحث عن وطنٍ يحترم كرامته قبل أن يطلب أي شيء آخر.
وعندما ترى تجاوب الناس مع هذا الخطاب، ستدرك أن الرسالة وصلت، وأن سوريا، رغم جراحها، ما زالت تملك قلبًا نابضًا ينتظر مشروعًا صادقًا يعيد إليها وحدتها.
وحين يتحرك الناس نحو العدل، لا يعود المقال مجرد كلمات، بل يصبح بداية طريق، وبذرة وعي، وإشارة إلى أن الوطن يمكن أن يُبنى من جديد، تمامًا كما بُنيت المدينة المنوّرة يوم اجتمع المختلفون على عقدٍ واحد صنعه العدل، وحرسه الإيمان بالإنسان قبل أي شيء آخر
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

