بقلم: المهندس محمود محمد صقر
في حياة الشعوب لحظات غريبة…
لحظات لا تكون فيها المشكلة في الماضي الذي رحل، ولا في المستقبل الذي لم يصل بعد، بل في الطريقة التي يعيش بها الناس المسافة بينهما.
فبعد كل حرب، وبعد كل أزمة كبرى، وبعد كل تحول سياسي أو اجتماعي، يبدأ سؤال مختلف بالظهور:
وماذا الآن؟
ماذا نفعل ونحن ننتظر الغد؟
هنا تنقسم المجتمعات غالباً إلى فريقين:
فريق ينتظر من الدولة أن تفعل كل شيء.
وفريق آخر ينتظر فشل الدولة في كل شيء.
الأول يجلس أمام المشهد وكأنه متفرج ينتظر معجزة، والثاني يجلس أمام المشهد نفسه وكأنه ينتظر إثبات صحة تشاؤمه.
وفي الحالتين يتراجع الفعل، ويتقدم الانتظار.
لكن الأمم التي نجحت في النهوض لم تبنِ مستقبلها بالانتظار، بل بنته بالعمل.
وربما لأنني أمضيت عمري في الهندسة، فإنني أنظر إلى هذه المسألة من زاوية مختلفة قليلاً.
فالمشروع لا يُقاس بجمال المخطط وحده، ولا بعمق الحفر، ولا بحجم الخرسانة التي تُصب في الأساسات، بل بما يفعله مئات أو آلاف الأشخاص كل يوم.
العامل الذي يلتزم بعمله.
والفني الذي يتقن حرفته.
والمهندس الذي يراجع التفاصيل.
والمحاسب الذي يحفظ الحقوق.
والإداري الذي ينظم العمل.
فمن مجموع هذه الأعمال الصغيرة يولد المشروع الكبير.
والأوطان لا تختلف كثيراً عن المشاريع.
فالخرائط وحدها لا تبني المدن، والقوانين وحدها لا تبني الدول، والخطابات وحدها لا تصنع المستقبل.
إنما يصنعه البشر حين يتحولون من متفرجين إلى مشاركين.
ولهذا أجد نفسي أتساءل:
هل تبدأ إعادة الإعمار من الحجر أم من الإنسان؟
قد نعيد بناء الأبنية خلال سنوات، لكن إعادة بناء الثقة تحتاج زمناً أطول.
وقد نستطيع ترميم الطرق والجسور بسرعة، لكن ترميم ثقافة العمل والانتماء والمسؤولية يحتاج جهداً أكبر.
فالإنسان هو الذي يبني الحجر، وليس الحجر هو الذي يبني الإنسان.
وهل تكفي القوانين وحدها؟
يقول التاريخ إن أفضل القوانين يمكن أن تفشل إذا غابت ثقافة احترامها.
كما أن المجتمعات القوية ليست تلك التي تملك أكبر عدد من القوانين، بل تلك التي يلتزم أفرادها بما اتفقوا عليه.
وهل تستطيع الحكومة وحدها إعادة بناء بلد؟
لو كان ذلك ممكناً، لما احتاجت الأمم إلى مجتمعات.
فالدولة تستطيع أن تخطط، وتنظم، وتدير، وتراقب، لكنها لا تستطيع أن تعمل مكان ملايين الناس.
فما دور المهندس؟
وما دور الطبيب؟
وما دور المعلم؟
وما دور رجل الأعمال؟
وما دور الطالب؟
وما دور الحرفي والعامل؟
إن لكل واحد منهم حجراً صغيراً في بناء الوطن.
وقد يبدو هذا الحجر متواضعاً حين ننظر إليه منفرداً، لكن المدن لا تُبنى إلا من اجتماع الحجارة الصغيرة.
ومن هنا، ربما يكون أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات بعد الحروب ليس الفقر وحده، ولا نقص الموارد وحده، ولا حتى الأخطاء الإدارية وحدها، بل أن يتحول المواطن إلى متفرج ينتظر الحلول من الآخرين.
فالذين ينتظرون المستقبل فقط، نادراً ما يصلون إليه.
أما الذين يشاركون في صناعته، فهم الذين يغيرون شكل التاريخ.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن النهضة لا تبدأ حين تصبح الظروف مثالية، بل حين يقرر الناس أن يعملوا رغم أن الظروف ليست مثالية.
وأن يزرعوا رغم أن الحصاد بعيد.
وأن يبنوا رغم أن الطريق طويل.
وأن يحافظوا على الأمل دون أن يتحول الأمل إلى انتظار سلبي.
قد يختلف السوريون اليوم في تقييم المرحلة.
وقد يختلفون في مقدار التفاؤل أو التشاؤم.
وقد تختلف آراؤهم حول السياسات والقرارات والأولويات.
لكنهم يتفقون جميعاً على أمر واحد:
أن سوريا أكبر من أي خلاف عابر.
وأن مستقبلها لن يبنيه مقال، ولا حكومة، ولا معارضة، ولا مستثمر واحد.
بل ستبنيه أجيال كاملة.
أجيال تتعلم أن المال يمكن أن يبني مشروعاً، أما الرؤية فتبني مدينة.
وأن القوانين قد تنظم الحياة، أما الثقة فتبني وطناً.
وأن المستقبل لا يُنتظر فقط، بل يُصنع.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يقف أمامنا جميعاً:
أن ننتقل من انتظار المستقبل إلى المشاركة في صناعته.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للأمل…
أن يبقى الإنسان قادراً على العمل، حتى قبل أن يرى النتيجة.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
